كَانَ دَخَلَ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنْ بَابِهِ اقْتِدَاءً برَسُول الله فقاله لَهُ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم: لِمْ دَخَلْتَ وَأَنْتَ قَدْ أَحْرَمْتَ؟ فَقَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ: دَخَلْتَ أَنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي أَحْمَسُ فَقَالَ لَهُ الْأَنْصَارِيُّ: وَأَنَا دِينِي دينك رضيت بهداك فَنَزَلَتِ الْآيَةُ
، فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الرَّسُولَ نَهَى غَيْرَ الْحُمْسِ عَنْ تَرْكِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي إِبْطَالِهِ،
وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ عَطِيَّةَ» عَنِ السُّدِّيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَابًا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَوَقَفَ الرَّجُلُ وَقَالَ: إِنِّي أَحْمَسُ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول عليه الصلاة والسلام: وَأَنَا أَحْمَسُ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ
، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيءَ أَعْلَنَ إِبْطَالَ دُخُولِ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا.
وَأَنَّ الْحُمْسَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَأَقُولُ: الصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِنْ بَابه فكأنّه عبّر بِذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَرِوَايَةُ السُّدِّيِّ وَهْمٌ، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ بِذَلِكَ وَلَا يُظَنُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَسِيَاقُ الْآيَةِ يُنَافِيهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [الْبَقَرَة: ١٧٧] .
واتَّقى فِعْلٌ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ.
وَجَرُّ بِأَنْ تَأْتُوا بِالْبَاءِ الزَّائِدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِلَيْسَ، وَمُقْتَضَى تَأْكِيدِ النَّفْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الْمَنْفِيَّ مِنَ الْبِرِّ ظَنًّا قَوِيًّا فَلِذَلِكَ كَانَ مُقْتَضَى حَالِهِمْ أَنْ يُؤَكَّدَ نَفْيُ هَذَا الظَّنِّ.
وَقَوْلُهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَيْسَ الْبِرُّ عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْإِنْشَاءِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ الْبِرُّ فِي مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ كَعَطْفِ أَمْرٍ عَلَى نَهْيٍ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي سَنَةَ خَمْسٍ حِينَ أَزْمَعَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم الْخُرُوجَ إِلَى الْعُمْرَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَوَى أَنْ يَحُجَّ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout