وَ(أَكْبَرُ) تَفْضِيلٌ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ مِنَ الْمَقَامِ، أَيْ أَكْبَرُ مِنَ الْجَنَّاتِ لِأَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ أَصْلٌ لِجَمِيعِ الْخَيْرَاتِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةَ أَعْلَى وَأَشْرَفُ مِنَ الْجُثْمَانِيَّةِ.
وذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْمَسَاكِنِ وَصَفَاتِهِمَا وَالرِّضْوَانِ الْإِلَهِيِّ.
وَالْقَصْرُ فِي هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ بِاعْتِبَارِ وَصْفِ الْفَوْز بعظيم.
[٧٣]
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)
لَمَّا أَشْعَرَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ [التَّوْبَة: ٦٨] . بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابَيْنِ عَذَابًا أُخْرَوِيًّا وَهُوَ نَارُ جَهَنَّمَ، تَعَيَّنَ أَنَّ الْعَذَابَ الثَّانِيَ عَذَابٌ دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ عَذَابُ الْقَتْلِ، فَلَمَّا أَعْقَبَ ذَلِكَ بِشَنَائِعِ الْمُنَافِقِينَ وَبِضَرْبِ الْمَثَلِ لَهُمْ بِالْأُمَمِ البائدة، أَمر نبيئه بِجِهَادِ الْمُنَافِقِينَ وَهَذَا هُوَ الْجِهَادُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [٦٠، ٦١] فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فَبَعْدَ أَنْ أَنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُدَّةِ مَا كُشِفَتْ فِيهِ دَخِيلَتُهُمْ بِمَا تَكَرَّرَ مِنْهُمْ مِنْ بَوَادِرِ الْكُفْرِ وَالْكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَنْجَزَ اللَّهُ مَا أَنْذَرَهُمْ بِهِ بِأَنْ أَمَرَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِجِهَادِهِمْ. وَالْجِهَادُ الْقِتَالُ لِنَصْرِ الدِّينِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٥٤] .
وَقُرِنَ الْمُنَافِقُونَ هُنَا بِالْكُفَّارِ: تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْأَمْرِ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ قَدْ تَحَقَّقَ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَجِهَادُهُمْ كَجِهَادِ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَرَنَهُمْ فِي الْوَعِيدِ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ إِذْ قَالَ:
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ [التَّوْبَة: ٦٨] وَأَوْمَأَ قَوْلُهُ هُنَالِكَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا آخَرَ، لَا جَرَمَ جَمْعَهُمْ عِنْدَ شَرْعِ هَذَا الْعَذَابِ الْآخَرِ لَهُمْ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout