لَهُمْ أَنَّ مَا الْتَزَمُوهُ مِنَ التَّأَسِّي بِالنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُمْ. وَعَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْأُمَّةَ يَكْثُرُ فِيهَا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَشُقُّ مَعَهَا قِيَامُ اللَّيْلِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَوْ رَفَعَ وُجُوبَهُ. وَلَوْلَا اعْتِبَارُ الْمَظِنَّةِ الْعَامَّةِ لِأُبْقِيَ حُكْمُ الْقِيَامِ وَرُخِّصَ لِأَصْحَابِ الْعُذْرِ فِي مُدَّةِ الْعُذْرِ فَقَطْ فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَظِنَّةِ وَالْحُكْمُ هُنَا عَدَمِيٌّ، أَي عدم الْإِيجَاب فَهُوَ نَظِيرُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ عَلَى قَوْلِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «إِنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْحَضَرِ وَأُبْقِيَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ»، وَعِلَّةُ بَقَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ هُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ.
وَأُوجِبَ التَّرَخُّصُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَكُنِ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ قَوِيَّةً فِيهِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْقِيَامِ فَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: ٢] وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ. وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ. فَهَذِهِ الْآيَةُ صَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ أَصْلًا لِلْتَعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ وَصَالِحَةٌ لِأَنْ تَكُونَ أَصْلًا تُقَاسُ عَلَيْهِ الرُّخَصُ الْعَامَّةُ الَّتِي تُرَاعَى فِيهَا مَشَقَّةُ غَالِبِ الْأُمَّةِ مِثْلَ رُخْصَةِ بَيْعِ السَّلَمِ دُونَ الْأَحْوَالِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةَ هِيَ الَّتِي تَحْرِصُونَ عَلَى إِقَامَتِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا [النِّسَاء: ١٠٣] .
وَفِي هَذَا التَّعْقِيبِ بِعَطْفِ الْأَمْرِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَا
يَرْفَعُ التَّبِعَةَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْآثَارُ عَلَى هَذَا مَا هُوَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ.
وَعَطْفُ وَآتُوا الزَّكاةَ تَتْمِيمٌ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ ذِكْرُ الصَّلَاةِ مِنْ قَرْنِ الزَّكَاةِ مَعَهَا حَتَّى اسْتَنْبَطَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنه «لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ» .
وَإِقْرَاضُ اللَّهِ هُوَ الصَّدَقَاتُ غَيْرُ الْوَاجِبَةِ، شُبِّهَ إِعْطَاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفَقِيرِ بِقَرْضٍ يُقْرِضُهُ اللَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ فَشَابَهَ حَالَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ مُسْتَجِيبًا رَغْبَةَ اللَّهِ فِيهِ بِحَالِ مَنْ أَقْرَضَ مُسْتَقْرِضًا فِي أَنَّهُ حَقِيقٌ بِأَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ مَا أَقْرَضَهُ، وَذَلِكَ فِي الثَّوَابِ الَّذِي يُعْطَاهُ يَوْمَ الْجَزَاءِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout