قَالَ الشَّّيخُ: وَلاَ بُدَّّ لَنَا أَنْ نَعْرِضَ لِهَذِهِ الشَّّبِهَةِ الَّتِي أَثَارُوهَا وَنَفَنَدُهَا:
- زَعَمُوا أَنَّّ عِلْمَهُ الْوَاسِعُ بِالْأَحَادِيثِ أَثَارَ الشَّّكِ فِي نُفُوسِ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ مُبَاشَرَةً فَلَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي التَّّعِبِيرِ عَنْ شُكُوكِهِمْ بِأُسْلُوبٍ سَاخِرٍ، وَأَحَالُوا الْقَارِئُ عَلَى الْبُخَارِيِّّ فِي كِتَابِ «َفَضَائِلِ الْأَصْحَابِ»ِ رَقِمَ ١١ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللََّّه صلى الله عَلَيهِ وَسَلّمَ لِشَبَعِ بَطْنِي حَتَّى لَاَ آكُلَ الْخَمِيرَ، وَلاَ أَلْبَسَ الْحَبَيْرِ، وَلَاَ يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَاَ فُلَاَنَةَ وَكُنْتُ أَلْصِقَ بَطْنِي بِالْحَصَبَاءِ مِنْ الْجُوعِ. الْحَدِيثَ.
وَالْمُنْصِّفِ يَرَى مِنْ هَذَا الأَثَرِ أَنَّ بَعْضَ النَّّاسِ قَالَ: أَكْثَرُ أَبُو هُرَيْرَةَ تَعْجَّبًا مِنْ كَثْرَةِ حِفْظِهِ وَرِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَظْهَرَ لَهُمْ السَّّبَبُ فِي كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ وَحِفْظِهِ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ أَلْزَمَ النّّاسَ لِرَسُولِ اللَّّه صلّى الله عَلَيهِ وَسَلّم وَأَنَّهُ مَا كَانَ يَعْنِيهِ الْغِنَى، وَإِنَّمَا كَانَ يَعْنِيهِ الْأَخْذُ عَنْ رَسُولِ اللَّّه صلّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلّم وَكَانَ يَلْصَقُ بَطْنَهُ بِالْحَصَبَاءِ مِنَ الْجُوعِ، وَمَا كَانَ يَشْغِلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّّه تِجَارَةٌ وَلاَ زِرَاعَةَ، فَحَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظُوا وَسَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعُوا، فَلَمّا بَيَّنَ لَهُمْ السَّبَبُ سَكَتُوا عَنْهُ. وَلَنُسَلِّمَ مَا زَعَمُوهُ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا شَاكِّينَ لاَ مُتَعَجِّّبَيْنَ، أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ تَرْكِهِمْ إِيَّاهُ يُحَدّّث بَعْدَ ذَلِكَ مُدَّةَ عُمْرِهِ- وَقَدْ عَمّّر- بَعْدَ رَسُولِ اللَّّه صلى الله عليه وَسَلّم نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً أَنَّهُمْ اقْتَنَعُوا بِتَعْلِيلِهِ، وَزَالَ هَذَا الشّّكّ مِنْ نُفُوسِهِمْ، إِذْ لَوْ كَانُوا يَرَوْنَ فِي حَدِيثِهِ بَأْسًا لِكُفُوهِ عَنِ التَّّحْدِيث، وَهُمْ مَنْ تَعْلَمَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّّه صلّى الله عَلَيه وَسَلّم وَالْخَوْفُ أَنْ يَتَّسِعَ النَّاسَ فِيهِ، وَيَدْخُلُهُ التّّدَلِيسُ وَالْكَذِبُ.
٢- وَأَمِّّا زَعَمُهُمْ أَنَّ رِوَايَتَهُ ضَمَّّنَهَا أَتَفَهُ الْأَشْيَاءُ بِأُسْلُوبٍ مُؤَثِّرٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا امْتَازَ بِهِ مِنْ رُوحِ الْمِزَاحِ، الْأَمْرُ الَّّذِي كَانَ سَبَبًا فِي ظُهُورِ كَثِيرٍ مِنْ الْقِصَصِ وَعَزْوِهُمْ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَوْغَلَ فِي التَّّضْلِيلِ وَالْإِيهَامِ مِنْ هَذَا- نَحْنُ لَا نَدْرِي مَا هِيَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي زَعَمُوهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبِيَّنُوهَا لَنَا لِنُنَاقِشِهِمْ فِيهَا، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا إذْ عَزُّوًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَإِنَّ لِابْنِ قُتَيْبَةٍ مُؤَلَّفَاتٍ كَثِيرَةٌ، طَبْعَ مِنْهَا كَثِيرٌ، إنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَكِنَّّا نُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ مَا فِي ابْنِ قُتَيْبَةَ لَيْسَ كَمَا فَهِمُوهُ، إذْ لَا يَعْقِلُ أَنْ يُثْنِيَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الثَّنَاءِ الْمُسْتَطَابُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِهِ «َتَأْوِيلٌ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثَ»ِ، ثُمَّ هُوَ يُنْسَبُ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الدَّائِرَةِ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّّوَءِ وَغَضَبَ اللََّّه عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدُّ لَهُمْ عَذَابًا عَظِيمًا.
٣- وَأَمَّا مَا نَقَلُوهُ مِنْ وَصْفٍ (شِيْرَنْجَرَ) لِأَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّهُ الْمُتَطَرِّّفُ فِي الِاخْتِلَاقِ وَرِعًا، فَلَسْنًا مِمَّّنٌ يُؤْمِنُ بِقَوْلِ (شِيْرَنْجَرَ) وَغَيْرِ (شِيْرَنْجَرَ) مِنْ الْمُتَطَرِّّفِينَ فِي الِاخْتِلَاقِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللََّّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَضْلِيلًا لِلْمُسْلِمِينَ وَتَشْوِيشًا عَلَى الدَّّينَ، وَإِيذَاءً لِلْحَقِيقَةِ، وَسِتْرًا لِلْوَاقِعِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout