وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَحَدِيثٌ: «َلا عَدْوَى»ٌ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَنْ تَكُونَ الْعَدَوِيُّ مُؤَثِّرَةً بِذَاتِهَا دُونَ إرَادَتِهِ تَعَالَى.
وَحَدِيثَ
«ِلا يُورُدُنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مِصَحَّّ»ِ
الْمَقْصُودِ مِنْهُ أَلَّا يُورَدَ صَاحِبُ الْإِبِلِ الْمَرِيضَةِ إبِلَهُ عَلَى إبِلٍ صَحِيحَةٍ، لِئَلَّا تَمْرِضَ فَيُتَوَهَّمُ النَّّاسُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَرَضَ جَاءَ لِلْإِبِلِ الصَّحِيحَةِ مِنْ طَرِيقِ الْعَدَوِيِّ بِدُونِ إذْنِهِ تَعَالَى، وَلَك أَنْ تَقُولَ: إنَّّ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيثِ الثَّّانِي هُوَ إثْبَاتُ الْعَدَوِيِّ مِنْ طَرِيقِ السَّّبَبِيَّةِ الْعَادِيَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا تَخْلُّّفُ الْمُسَبَّّبِ عَنْ سَبَبِهِ،
فَنَهَى النَّّبِيُّّ صلى الله عليه وَسَلم عَنْ تِلْكَ الْمُخَالَطَةِ مِنْ بَابِ اتِّّقَاءِ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ الْعَادِيَةِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وََلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [(١)] .
وإذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَنَاقُضٌ فَلَا كَذِبَ وَلَاَ نِسْيَانَ.
نَعَمْ ثَبَتَ أَنَّّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَرْوِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ، وَكَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِهَا، اقْتَصَرَ مَرَّّةً عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الثَّّانِي فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ رُوِيْتُ الْحَدِيثَ: «َلاَ عَدْوَى»َ فَرَطْنَ بِالْحَبْشِيَّةِ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ، فَظَنَّ أَبُو سَلَمَةَ «َالرَّاوِيّ لِلْحَدِيثَيْنِ عَنْهُ»ْ أَنَّ إِعْرَاضَهُ عَنْ رِوَايَةِ حَدِيثٍ «َلاَ عَدْوَى»ٍ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ نِسْيَانٌ مِنْهُ رِوَايَتُهُ.
وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ إعْرَاضَهُ عَنْ رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ النَّّسِيَانِ كَمَا فَهِمْ أَبُو سَلَمَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرَاعَاةٌ حَالَ مَنْ يُحَدِّثُهُمْ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ فِي «َالْمُفْهِمْ»ِ: (وَيَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ خَافَ اعْتِقَادٍ جَاهِلٍ يَظُنُّهُمَا مُتَنَاقِضَيْنِ فَسَكَتَ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَكَانَ إِذَا أَمِنَ ذَلِكَ حَدَثَ بِهِمَا جَمِيعًا) أ. هـ.
وَإِنْ أَرَدْتْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَارْجِعْ إلَى «َفْتَحِ الْبَارِي»ِ فِي بَابِ (لا هَامَّةً) مِنْ كِتَابٍ «َالطِّّبّ» .
(د) - قالوا: كَان أَبُو هُرَيْرَةَ يُدَلُّّس فِي الْحَدِيثِ، فَيَرْوِي عَنِ النَّّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ كَمَا
فِي حَدِيثِ: (مِنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَاَ صَوْمَ لَهُ)،
وَقَدْ تَقَدَّّم، وَالتَّّدَلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ بِحُكْمٍ تَأَخُّّرِ إِسْلَاَمِهِ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَدْ فَاتَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللََّّه صلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلّمَ فَكَانَ عَلَيْهِ لِيَسْتَكْمِلَ عِلْمَهُ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنَ الصَّّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوهُ مِنَ النَّّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ سَائِرِ الصّّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا مَجَالِسَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمّّا لِاشْتِغَالِهِمْ بِبَعْضِ أُمُورِ الدّّنِيَا، وَإِمّْا لِحَدَاثَةِ سُنَّهُمْ وَإِمَّا لِتَأَخَّّرِ إِسْلَاَمِهِمْ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَقَالَ: «َوَاللَّه مَا كُلُّّ مَا نَحَدِّثُكُمْ عَن
[(١)] البقرة: ١٩٥.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout