بِبَعِيدٍ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ فِيهَا إيذَانًا بِتَفْوُّّقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دُولِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ.
وَانْتَقَلَ الْخَلِيفَةَ عُثْمَانَ إلَى جِوَارِ رَبِّهِ مُتَوَّجًا بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى أَثَرِ فِتْنَةٍ تَبْنَّاهَا عَبْدُ اللََّّه بْن سَبْإِ الْيَهُودِيّ، وَأَشْعَلَ نَارَهَا فِي سَائِرِ الْوِلَايَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِمَا تَحْمِلُ مِنْ شَائِعَاتٍ كَاذِبَةٍ وَانْتِقَاصَاتٍ بَاطِلَةٍ تَقَلَّّل مِنْ شَأْنِ الْخَلِيفَةِ الرَّاحِلِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ الْيَهُودِيَّةُ سَبَبًا فِي الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ مِمَّا وَاجَهَهُ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي بِدَايَةِ خِلَافَتِهِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: فِي بِدَايَةٍ مُحْنَتِهِ، فَقَدْ كَانَ يُمْسِكُ بِزِمَامِ الْأُمُورِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ الشَّهِيدِ بَعْضُ الْوُلَاةِ غَيْرَ الْأَكْفَاءِ، وَمِنْهُمْ مُتَطَلّّعٌ إلَى الْخِلَافَةِ نَفْسَهَا، أَوْ مُطَالَبٌ بِدَمِ عُثْمَانَ بِدَعْوَى أَنَّهُ وَلِيُّ دَمَهُ.
بِاخْتِصَارٍ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَوْقِفٍ لَا يَحْسُدُ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُؤُمَّنَ الدَّوْلَةَ مِنْ الدَّاخِلِ بِعَزْلِ بَعْضِ الْوُلَاةِ، وَتَوْلِيَةِ آخَرِيْنَ مِمَّنْ يَرَاهُمْ أَهْلًا لِلْمُهِمَّّةِ الْخَطِيرَةِ فِي الْمَرْحَلَةِ الْقَادِمَةِ، فَلَمْ يَلْقْ إلَّا الْعِصْيَانَ وَالتَّمَرُّدَ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ مِمَّا عَطِلَ مَسِيرَةَ الْحُكْمِ الرَّاشِدِ الّذِي أَرَادَهُ لِهَذِهِ الْأَمَةَ.
وَبَيْنَمَا عَلِيًّّ يُفَكِّرُ فِي أَمْرٍ مُعَاوِيَةَ إذَا بِأَخْبَارِ تَصِلِهِ بِخُرُوجِ طَلْحَةٍ وَالزُّبَيْرِ فِي صُحْبَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ السّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، وَاسْتَمَرَّ الْيَهُودِيُّ الْمُتَآمِرُ عَبْدَ اللَّّه بْن سَبْإٍ لَيُعْلَنَّ أَنَّ الثَّّوَارَ قَدْ خَرَجُوا لِمُهَاجَمَةَ عَلِيٍّ وَرَاعَ عَلِيّّا مَا كَانَ مِنْ خُرُوجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي صُحْبَةِ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا هَدَأَ حِينَ عُلِمَ أَنَّهَا جَاءَتْ لِلصُّلْحِ بَيْنَ أَوْلَادِهَا الْمُتَنَازِعَيْنِ بِاعْتِبَارِهَا أَمّّا لِلْمُؤْمِنِينَ،
وَقَالَ عَلِيّ: لَا بَأْسَ. إنَّهَا أَمّّنًا وَزَوْجَةُ نَبِيّنَا،
وَلَكِنّ زَعَيْمَ الْفِتْنَةِ الْيَهُودِيّ خَشِيَ افْتَضَاحَ أَمْرِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِيَدِ الْعَدَالَةِ فَاجْتَمَعَ بِأَتْبَاعِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمَ إنْ عَزْكُمْ مِنْ خُلْطَةِ النَّاسِ فَصَانِعُوهُمْ وَتَمَلّقُوهُمْ، وَإِذَا الْتَقَى الطَّرَفَانُ الْمُتَنَازِعَانِ غَدًا فَانْشَبُوا الْقِتَالَ وَلَا تَفْرُغُوهُمْ لِلنَّظَرِ وَالْجُلُوسِ عَلَى مَائِدَةِ الصُّلْحِ وَبَاتَ الْجَمِيعُ عَلَى الصُّلْحِ، وَبَاتَ ابْنُ سَبَإٍ وَأَنْصَارِهُ (قتِلَةُ عُثْمَانَ الْحَقِيقِيُّونَ) بِشْرّ لَيْلَةً حَتَّى إذَا أَصْبَحَ الصَّبَّاحُ نَشَبُوا الْقِتَالَ، وَظَنَّ أَصْحَابَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عَلِيًّّا قَدْ بَدَأَ الْقِتَالَ
بَيْنَمَا تُعْجِبُ عَلَيَّ مِمَّا رَأَى مِنْ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ فَنَادَى طَلْحَةَ قَائِلًا.
- يَا طَلْحَةُ جِئْت بِعُرْسِ رَسُولِ اللََّّه تُقَاتَلُ بِهَا، وَقَدْ خَبَأْتُ عَرْسَك فِي بَيْتِك؟
مَاذَا أَنْتَ صَانِعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَقُولُ لَك رَسُولُ اللَّّه صلى الله عليه وسلم: لَمْ جِئْت بِزَوْجَتِي إلَى هَذِهِ الْأَرْضِ؟ فَأَحَسّ طَلْحَةً بِعَظْمِ مَا ارْتَكَبَ فَأَدَارَ وَجْهَهُ وَقَفَلَ رَاجِعًا، وَلَكِنْ لَمْ يُفَلْتْ مِنْ الْقَتْلِ عَلَى يَدِ أَحَدِ أَرْبَابِ الْفِتْنَةِ، وَتَذَكَّرُ الزّّبِيرَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ عَلَيٍّ أَمَامَ النَّّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَادَ وَهُوَ يَقُولُ: الْعَارَ وَلَا النَّّار، وَحَرَّصَ ابْنُ سَبْإٍ عَلَى قَتْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَاجَمٌ هُوَ وَجُنُودُهُ الْهَوْدَجُ الّذِي يَحْمِلُهَا عَلَى جَمَلِهَا، وَلَكِنْ عَلِيَّّا عَاجِلَ الْجَمَلِ بِضَرْبَةِ عُقْرَتِهِ وَأَوْقَعَتْ الْهُوْدَجَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ دُعَاةُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout