وَهَا هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِضُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ فَيَقُولُ: «َضَمِنَ اللََّّه لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللََّّه، لا يَخْرِجُهُ إِلّا جِهَادَ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانُ بِي، وَتَصْدِيقٍ بُرُسْلِي، فَهُوَ عَلِيٌّّ ضَامِنٌ أَنْ أَدْخَلَهُ الْجِنّْةَ أَوْ أَرْجَعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَاَلَّّذِي نَفْسُ مُحَمّّدٌ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلَّمَ يُكَلِّمُ فِي سَبِيلِ اللَّّه إِلّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ كُلّمَ، لَوْنَهُ لَوْنَ الدّّم، وَرِيحِهُ رِيحٌ مِسْكً، وَاَلَّّذِي نَفْسُ مُحَمّّدٌ بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ أَشَقَّّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَاَفَ سَرِيّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّّه عَزّ وَجَلَّ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمَلُهُمْ، وَلَاَ يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي وَيَشُقُّّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّّوا عَنّْي، وَالَّّذِي نَفْسُ مُحَمّّدٌ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللََّّه فَأَقْتَلَ ثُمَّّ أَغْزُو فَأَقْتَلِ»ُ [(١)] .
أنت تَرَى فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ النَّّبُوِيَّةُ قُوَّةُ هَائِلَةَ مُحَولَةً تَجْعَلُهَا مَاثِلَةً فِي الْأُذْهَانِ كَمَا تَجْعَلُ النَّّفُوسُ رَخِيصَةً هِيَّنَةً فِي سَبِيلِ الدِّّفَاعِ عَنِ الدِّينِ وَالأَوْطَانِ، حَتَّى لَقَدْ كَانَ الرَّّجُلُ يَسْتَمِعُ إِلَى هَذِهِ الْمَرْغَبَاتِ وَالْمَشْوَّقَاتِ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَمَا يُصْبَرُ حَتَّى يَتِمَّ طَعَامَهُ، بَلْ يَرْمِي بِمَا فِي يَدِهِ، وَيَقُومُ فَيُجَاهِدُ مُتَشَوِّّقًا إِلَى الْمَوْتِ، مُتَلَهِّفًا عَلَى أَنْ يَسْتَشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللََّّه.
اهتِداءِ الصَّّحِابَّةِ- رِضْوَانُ اللَّه عليهم- بِكِتَابِ اللَّّه وَسَنّةَ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُحِلُّّوَنَ مَا فِيهِمَا مِنْ جَلاَل، وَيُحَرُّّمُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ حَرَامٍ، وَيَتَّبِعُونَ مَا جَاءَ فِيهِمَا مِنْ نَصْحَ وَرُشْدٍ. وَيَتَعَهَّدُونَ ظَوَاهِرُهُمْ وَبَوَاطِنِهِمْ بِالتَّرْبِيَةِ وَالْآدَابِ الإِسْلَامِيَّةِ دَسْتُورُهُمُ الْقُرْآنِ، وَإِمَامُهُمْ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَمَا مَنْ شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ يُقَرَّّرُهُ فِي النَّّفِسِ أَبْلَغُ تَقْرِيرَ وَيَنْقُشُهُ فِي صَحِيفَةِ الْفِكْرِ أَثْبَتَ نَقْشً، عَلَى نَحْوِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي فَنِ التَّّرِبِيَّةِ وَعَلِمَ النَّّفِسَ، مِنْ أَنَّ التَّّطْبِيقَ يُؤَيِّدُ الْمَعَارِفَ وَالْأَمْثِلَةَ تُقَيَّدُ الْقَوَاعِدَ، وَلَا تَطْبِيقُ أَبْلَغُ مِنْ الْعَمَلِ، وَلَا مِثَالَ أَمْثَلُ مِنْ الِاتِّبَاعِ، خُصُوصًا الْمَعَارِفُ الدِّّيَنِيَّةَ، فَإِنَّّهَا تَزْكُو بِتَنْفِيذِهَا، وَتَزِيدُ بِاتِّبَاعِهَا.
قَالَ تَعَالَى: يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا [(٢)] أي هُدَايَةُ وَنُورًا تُفَرَّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الرُّشْدِ وَالْغَيِّّ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ وُجُوهٍ التَّفْسِيرِ.
[(١)] أخرجه مُسلم فِي الصَّحِيحِ ٣/ ١٤٩٥- ١٤٩٦ كتاب الإِمارَةُ (٣٣) باب فَضْلِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللََّّه (٢٨) حَدِيث رقم (١٠٣/ ١٨٧٦) والنسائِي فِي السُّنَنِ ٨/ ١١٩- ١٢٠ كتاب الإِيْمَانُ وَشَرَائِعُهُ (٤٧) باب الجِهَادُ (٢٤) حَدِيثُ رُقِمَ ٥٠٣٠ وَأَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ ٢/ ٣٩٩، ٤٢٤- وابن أَبِي شَيْبَةَ ٥/ ٢٨٧ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ ٩/ ٣٩- وَذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ ٢/ ٢٦٩- وَالْقُرطَبِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ٥/ ٢٧٧.
[(٢)] [الأنفال: ٢٩] .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout