وَمِنْ هُنَا يَقُولُ ابْنُ كَثِيرً: «َالسّّنَةُ قَاضِيَةً عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ قَاضِيًا عَلَى السّّنِّة»، يُرِيدُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا وَضَحَهُ السّّيُوطِيُّّ بِقَوْلِهِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَى احْتِيَاجِ الْقُرْآنِ إِلَى السّّنِّة أَنَّهَا مُبِيّنَةٌ لَهُ وَمُفَصّّلَةٌ لِمُجْمَلَاتِهِ، لِأَنَّ فِيهِ لَوْ جَازَتْهُ كَنُوزًا يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يُعْرَفُ خِفَايًا خَبَايَاهَا فَيُبْرِّزُهَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمَنْزِلُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِ السّّنِّة قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ مُبِيّّنًا لِلسّّنِّة وَلَا قَاضِيًا عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا بَيِّّنَةٌ بِنَفْسِهَا، إذْ لَمْ تَصِلْ إلَى حَدٍّّ الْقُرْآنِ فِي الْإِعْجَازِ وَالْإِيجَازِ، لِأَنَّهَا شَرْحٌ لَهُ، وَشَأْنُ الشَّّرِحِ أَنْ يَكُونَ أَوْضَحُ وَأَبْيَنُ وَأَبْسَطَ مِنْ الْمَشْرُوحِ»ِ .
وَلا رَيبَ أَنَّّ الصَّّحَابَةَ كَانُوا أَعْرَفَ النَّّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ وَالسّّنِّة، فَلَاَ غُرْو أَنْ كَانُوا أَحْرَصَ عَلَى حَذْقِهِمَا وَحِفْظِهِمَا وَالْعَمَلِ بِهِمَا.
ارتباط كَثِيرٌ مِنْ كَلَاَمِ اللََّّه وَرَسُولِهِ بِوَقَائِعٍ وَحَوَادِثُ وَأَسْئِلَةٍ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّ تُثِيرَ الِاهْتِمَامِ، وَتَنْبَّّهُ الْأُذْهَانِ، وَتَلِفَتْ الأَنْظَارُ إِلَى قَضَاءِ اللََّّه وَرَسُولِهِ فِيهَا، وَحَدِيثُهُمَا عَنْهُمَا وَإِجَابَتُهُمَا عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ يَتَمَكَّّنِ الْوَحْيُ الإِلَهِيَّ وَالْكَلَاَمُ النَّّبَوِيَّّ فِي النَّّفُوسِ أَفْضَلُ تَمَكُّنَ، وَيَنْتَقِشُ فِي الْأُذْهَانِ عَلَى مَرَّّ الزِّّمَانِ.
اُنْظُرْ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَجِدُهُ يُسَايِرُ الْحَوَادِثَ وَالطَّّوَارِئُ فِي تَجَدُّدِهَا وَوُقُوعِهَا، فَتَارَةً يُجِيبُ السَّّائِلَيْنَ عَلَى أَسْئِلَتِهِمْ بِمِثْلِ قَوْله تَعَالَى: وََيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [(١)] .
وتارة يُفَصّل فِي مُشْكِلَةِ قَامَتَ، وَيَقْضِي عَلَى فِتْنَةٍ طَغَتْ بِمِثْلِ قَوْله تَعَالَى: إِِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، إلى قوله: مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [(٢)] .
وهي ستّ عَشَرَةُ آيَةً نَزَلَتْ فِي حَادِثٍ مِنْ أَرْوعِ الْحَوَادِثِ هُوَ اتِّّهَامٌ أُمّّ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدَتُنَا الْجَلِيلَةَ السَّيِّدَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولُ اللََّّه صلى الله عليه وسلم، الصّّدِيقَةَ بِنْتُ الصَّّدِيقِ، وَفِي هَذِهِ الآيَاتِ دُرُوسُ اجْتِمَاعِيَّةِ قُرِئْتَ، وَلَاَ تُزَالُ تَقْرَأُ عَلَى النّّاسِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَاَ تُزَالُ تَسْجُلُ بَرَاءَةُ الْحِصَّانِ الطَّاهِرَةِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَتَارَةً يُلِفُتُ الْقُرْآنُ أَنْظَارُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَصْحِيحِ أَغْلَاطِهِمْ الّتِي وَقَعُوا فِيهَا، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى شَاكِلَةِ الصّّوَابِ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَإِِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلخ الآيَاتِ، الَّتِي نَزَلَتُ فِي
[(١)] الإِسراء: ٨٥.
[(٢)] النور: ١١- ٢٦.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout