وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: ارْتَدَّ عَلْقَمَةَ فَأَتَى ابْنَ نُجِيْحٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا نَقْبَلُ مِنْكُمْ إِلَّا حَرْبًا مَجْلِيَةً أَوْ سَلَّمًا مُخْزِيَةً، فَاخْتَارُوا السَّلَمَ.
وَكَانَ عَلْقَمَةَ بْنُ عَلاثَةَ تَنَافِرُ مَعَ عَامِرِ بْنِ الطَّّفِيلِ، فَخَرَجَ مَعَ عَامِرٍ: لَبِيدٍ، وَالأَعْشَى، وَمَعَ عَلْقَمَةَ: الْحَطِيْئَةِ، فَحَكَّمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَأَبَى أَنْ يُحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَأَتَيَا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَأَبَى، فَأْتَيَا غَيْلَانَ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيّ، فَرَدَّّهُمَا إِلَى حَرْمَلَةَ بْنِ الأَشْعَرِيِّ الْمُزِيِّ، فَرَدَّهُمَا إِلَى هَرْمِ بْنِ قُطْبَةَ الْفَزَارِيِّ، فَلَمَّا نَزَلَا بِهِ قَالَ: لَأَفْضَيْنَّ بَيْنَكُمَا، وَلَكِنْ فِي الْعَامِّ الْمُقْبَلِ، فَانْصَرَفَا.
ثمَ قَدِمًا فَبَعَثَ إِلَى عَامِرٍ سَرّا فَقَالَ: أَتَنَافِرُ رَجُلًاً لاَ تَفْخَّرُ أَنْتَ وَقَوْمُكَ إِلَّاَّ بِآبَائِهِ، فَكَيْفَ تَكُونُ أَنْتَ خَيْرًا مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللََّّه أَنْ تَفْضِّلَهُ عَلِيّ، وَهَذِهِ نَاصِيَتِي جَزَّّهَا، وَاحْكُمْ فِي مَالِي بِمَا شِئْت، أَوْ فَسْوّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
ثم بَعَثَ إِلَى عَلْقَمَةَ سِرّا، فَقَالَ: كَيْفَ تَفَاخِرَ رَجُلًا هُوَ ابْنُ عَمِّكَ، وَأَبُوهُ أَبُوك، وَهُوَ أَعْظَمُ قَوْمِكَ غِنَاءً؟ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ عَامِرٌ.
فَأَرْسَلَ هَرَمَ إِلَى بَيْنَهُ: إِنِّي قَائِلٌ مَقَالَةً، فَإِذَا فَرَغْتْ مِنْهَا فَلْيُنْحَرْ أَحَدُكُمْ عَنْ عَلْقَمَةَ عَشْرًا، وَلْيَنْحَرْ آخَرُ عَنْ عَامِرٍ عَشْرًا، وَفَرّّقُوا بَيْنَ النَّاسِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُمَا جِهَارًا: لَقَدْ تَحَاكَمْتُمَا إِلَيّ، وَأَنْتُمَا كَرُكْبَتَيْ الْبَعِيرِ يَقَعَانِ مَعًا، وَكِلاكُمَا سَيِّدٌ كَرِيمٌ، وَلَمْ يُفْضِّلْ، فَانْصَرَفَا عَلَى ذَلِكَ. وَمَدْحِ الأَعْشَى عَامِرًا، وَفَضْلُهُ عَلَى عَلْقَمَةٍ بِأَبْيَاتٍ مَشْهُورَةٍ مِنْهَا:
سُدْتُ بَنِي الْأَحْوَصِ لَمْ تَعَدَّهُمْ ... وَعَامِرُ سَادُ بَنِي عَامِرٍ «١»
[السرِيع] فَنَذَرَ عَلْقَمَةَ دَمِ الأَعْشَى، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ ظَفِرَ بِهِ، فَأَنْشَدَ قَصِيدَةً نَقِضَ بِهَا الْأُولَى يَقُولُ فِيهَا:
عَلْقُمُ يَا خَيْرَ بَنِي عَامِرٍ ... للضّيف والصّاحِب والزّائِرِ
[السّرِيع] وقَالَ لَبَيْدُ «٢»: لئِنْ مَنَنْتَ عَلِيًّّ لَأَمْدَحْنَّكَ بِكُلِّ بَيْتٍ هَجَوْتُكَ بِهِ قَصِيْدَةً، فَأَطْلَقَهُ.
وَقَالَ عُمَرُ لِهْرَمِ بْنِ قُطْبَةَ: مَنْ كُنْتُ تَفْضُلُ «٣» لَوْ فَضَلْتُ؟ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ ذَلِكَ لِعَادَتِ
1 (١) البيت للأعشى كما في ديوانه. (٢) في أ: وقال له: لئن.. (٣) في أ: مفضلا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout