هُوَ سَائِرٌٌ فِي قَطْعِِ مَنَازِلِ السَّّفِر حَتَّّى يَنْتَهِيَ بِهِ السَّفَرَُ إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ الْمَوْتُ. وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالََهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُمََّتُه تَحْصِيلُُ الزَّادُ لِلسَّفَرِ، وَلَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَلِهَذَا أَوْصَى النََّّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَاعَةًً مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونََ بِلَاغُِهُمْ مِنَ الدُّّنيَا كَزَادِ الرََّّاكِب.
قِيل لمُحَمَّدِ بْنُ وَاسِعٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَُ؟ قَالَ: مَا ظَنُّك بِرَجُلٍ يَرْتََحِلُ كلَّ يومٍ مَرْحَلَةًً إِلَى الآخِرَةِ (^١)؟
وقال الحَسن: إِنََّّما أَنْتَ أَيَّامٌٌ مَجْمُوعَةً، كُلَّّمَا مَضَى يَوْمًٌ مَضَى بَعْضَُك (^٢). وقال: ابنَ آدَمَ إِنََّّما أَنْتَ بَيْنَ مَطِيَتَيْنِ يَُوَضْعَانِِكَ، يُوضِعُك النهارُ إِلى اللَّيْل، وَاللَّيْلُ إِلَى النَّهَارِ، حَتَّى يُسلِمَانِك إِلَى الآخِرَةِ، فَمَنْ أَعْظَمَ مِنْكَ يَا ابْنََ آدَمَ خَطَرًَا (^٣)، وقال: الْمُوتُِ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيكُمْ وَالدُّنْيَا تُطَوَى مَِن وَرَائِكُمْ.
قَالَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ: إِنََّّما اللَّيْلُ وَالنَّهَارُُ مَرَاحِلُُ يَنْزِلُها الناسُ مُرْحَلةًُ مَرْحَلَةًً حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى آخِرِ سَفَرِهِمَ، فَإِنَِّ اسْتَطَعْتُ أَنْ تَُقُدًِّم فِي كُلِّ مَرْحَلَةً زَادًَا لِِمَا بََينََ يَدَيْهَا، فَافْعَلْ، فَإِنََّّ انْقِطَاعُ السَِّّفِر عَنْ قَرِيبِ مَا هُوَ، وَالأَمْرُ أَعْجَلُُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَزَوََّّد لِسَفَرِكَ، وَاقْضِ مَا أَنْتََ قَاضٍٍ مِنْ أَمْرِكَ، فَكَأَنََّّكَ بِالأَمْرِ قَدْ بََغََتك (^٤).
وكتب بعضُ السَّلف إِلى أخٍ له: يَا أَخِي يَُخَيَّلُ لك أنَّك مُقِيمً، بَلْ أَنْتََ دَائِبٌُ السََّّيرِ، تُساق مع ذَلِكَ سوقًا حَثِيْثًُا، الْمَوْتُ مُوجًَّهٌ إِلَيْك، وَالدُّنْيَا تُُطَوَى مِنْ وَرَائِكَ، وَمَا مَضَى مِنْ عُمْرِكَ، فَلَيْسَ بَكَارٍّ عَلَيْكَ
حَتَّى يَكُرَّ عَلَيْك يَوْمَ التَّغَابُنِ.
سبِيلُُكَ فِي الدُّنيَا سَبِيلُ مُسَافِرٍ … وَلاَبُِدَّ مَنْ زَادٍَ لِكُلِّ مُسَافِِر
وَلاَبْدَِّ لِلْإِنْسَانِ مَنْ حَمَلَِ عُدَّةٍ … وَلاَسِيَمَا إِنَّْ خَافََ صُولََةً قَاهَِر
قال بعضُ الْحُكَمَاءِ: كَيْفَ يُفْرَحُُ بِالدُّنْيَا مِنْ يَوْمَُهُ يَهِدِمُ شَهْرَه، وَشَهْرَُهُ يَهْدُِمُ
سنَتَه، وسُنتهُ تَهدِمُ عُمُرَه، وَكَيْفَ يُفْرَحُ مَنْ يَقُودُهُ عُمْرَُهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَتَقُوَّدَُهُ حَيَاتَُهُ إِلَى مَوْتِهِ.
1 أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٢/ ٣٤٨.
2 أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٢/ ١٤٨.
3 أخرجه: البيهقي في " الزهد الكبير " (٥١٢).
4 أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٧/ ٣٤٥.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout