قَالَ بَعْضُُ الْحُكَمَاءِ: عَجَبَتُُ مِمََّّنِ الدُّنيا مُولِيةٌ عَنْهُ، وَالآخِرَةُ مُقْبَلَةًٌ إِلَيْهِ يَشْغْتَلُُ بِالْمُدَبَّرَةِ، وَيَُعِرَِض عَنِ الْمُقْبَلَةِ (^١).
وقال عُمرُ بنُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي خُطْبَتِهِ: إِنََّّ الدُّّنيا لَيْسَتْ بِدَارًِ قَرَارِِكُم، كَتَبَ اللَّهُ
عَلَيِّهَا الْفِنَاءَ، وَكَتَبَ عَلَى أَهْلِهَا مِنْهَا الظَّّعَن، فكم مِنْ عَامِرٍ مُوثًَّق عَنْ قَلِيْلٍٍ يَخْرَبُ، وكَم مِنْ مُقِيمٌٍ مَُغَتََبِطٍ عَمَّا قَلِيلٌ يَظِعَنُ، فَأَحْسَنُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - مِنْهَا الرَِّّحِلةُ بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مَِنَ النُّقْلَةِ، وَتَزَوََّّدُوا فَإِنََّّ خَيْرَ الزَِّّاد التَّقوِى (^٢).
وإذا لم تَكُن الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِ دَارَ إِقَامَةً، وَلَاَ وَطْنًَا، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْْ يَكُونَ حَالَُهِ فِيهَا عَلَى أَحَدِ حَالَيْنِ: إِمَّا أَنْْ يَكُونََ كَأَنََّّه غَرِيبٌ مُقِيمٌٌ فِي بَلَدٍ غَُرِبَةٍَ، هَمُّه التَّزوُّد لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، أَوْ يَكُونُ كَأَنََّّه مُسَافِرٌٌ غَيْرَ مُقِيمِ الْبَتَِّة، بَلْ هُوَ لَيْلُهُ وَنَهَارَِهُ، يَسِيرُُ إِلَى بَلَدِِ الْإِقَامَةِ، فَلِهَذَا وَصَّى النََّّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابْنَُ عُمَرَ أَنَّْ يَكُونََ فِي الدُّّنِّيَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَالِينِ.
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّْ يَنَْزَِل الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ كَأَنََّّه غَرِيبٌٌ فِي الدُّنْيَا يَتَخَيََّّلُ الإِقامَةََ، لَكِنَّ فِي بَلَدٍ غَُرِبَةٍَ، فَهُوَ غَيْرُُ مُتَعَلٍِّّقِ الْقَلْبُ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ، بَلْ قَلْبَُهُ مُتَعَلِِّّقٌ بِوَطْنِهِ الَّذِي يَرجِِعُ إِليه، وَإِنَّّمَا هُوَ مُقِيمٌٌ فِي الدُّنْيَا لِيَقْضِيَ مََرَمَّةَ جَهَازُه إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، قَالَ الْفُضَيْلُُ بْنُ عِيَاضٍ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا مَهْمُومٌٌ حُزَيْنٌ، همُّه مَرَمَّةُ جهازه (^٣).
ومن كَان فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، فَلَاَ هُمََّ لَهُ إِلَّاَّ فِي التَّزَوُُّّد بِمَا يَنْفَعُُهُ عِنْدََ عَوْدِِهِ إِلَى وَطَنِهِ، فَلَاَ يَُنَافِِسُ أَهْلَ الْبَلَدِِ الَّذِي هُوَ غَرِيبٌٌ بَيْنَهُمْ فِي عَزَِّهم، وَلاَ يََجِْزَعُ مِن الذَّلِّ عِنْدَهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّّنِيَا كَالْغَرِيبِ لَاَ يُجْزِعُ مِنْ ذَُلهَا، وَلاَ يَُنَافِِسُ فِي عِزِّها، له شأنٌ، وَلِلنَّاسِ شَأْنُ (^٤).
لما خُلِق آدم أُسِكِنَ هُوَ وَزَوْجَتَُهُ الْجِنّْةُ، ثُمَّ أَُهَبَطًا مِنْهَا، وَوَعَُدًا الرُّجُوعَ إِلَيْهَا، وَصَالَحَ ذَرَِّيَّتهما، فَالْمُؤْمِنُ أَبَدًا يَحِنُّ إِلى وطنه الأَوَّل (^٥)، وكما قِيل:
1 أخرجه: البيهقي في " الزهد الكبير " (٥٠٤)، ولم ينسبه.
2 أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " ٥/ ٢٩٢.
3 أخرجه: ابن عساكر في " تأريخ دمشق " ٥١/ ٣٠٦.
4 أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٥٢١٠)، وابن أبي عاصم في " الزهد ": ٢٦٢ (ط. دار الريان للتراث).
5 جاء بعد هذا في النسخ المطبوعة: «وحب الوطن من الإيمان»، وقد حذفته لعدم ورودها في النسخة الخطية؛ ولأنَّ هذا الكلام غير مستقيم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout