ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس، جمعًا بينه وبين قوله: «ما لم تكلّم به أو تعمل»، وحديث أبي كبشة يدلُّ على ذلك صريحًا، فإنَّ قول القائل بلسانه: «لو أنَّ لي مالًا، لعملتُ فيه بالمعاصي، كما عمل فلانٌ» (^١)، ليس هو العمل بالمعصية التي همّ بها، وإنَّما أخبر عمَّا همَّ به فقط ممَّا متعلّقه إنفاقُ المالِ في المعاصي، وليس له مالٌ بالكلّيّة، وأيضًا، فالكلام بذلك محرَّمٌ، فكيف يكون معفوًّا عنه، غيرَ مُعاقَبٍ عليه؟
وأمّا إن انفسخت نِيَّتُه، وفترَت عزيمتُه من غيرِ سببٍ منه، فهل يُعاقبُ على ما همَّ به مِنَ المعصية، أم لا؟ هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطرًا خطرَ، ولم يُساكِنهُ صاحبه، ولم يعقِدْ
قلبَه عليه، بل كرهه، ونَفَر منه، فهذا معفوٌّ عنه، وهو كالوَساوس الرَّديئَةِ التي سُئِلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقال: «ذاك صريحُ الإيمان» (^٢).
ولمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دُخولَ هذه الخواطر فيه، فنَزلت الآية التي بعدها، وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (^٤)، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهم به، فهو غيرُ مؤاخذٍ به، ولا مكلّف به، وقد سمى ابنُ عباس (^٥) وغيرُه (^٦) ذلك نسخًا، ومرادُهم أنَّ هذه الآية أزالتِ الإيهامَ الواقعَ في النُّفوس من الآية الأولى، وبيَّنت أنّ المرادَ بالآية الأُولى العزائم المصمَّمُ عليها، ومثل هذا كان السَّلفُ يسمُّونَه نسخًا.
1 سبق تخريجه من حديث أبي كبشة.
2 أخرجه: أحمد ٢/ ٢٩٧ و٤٤١ و٤٥٦، والبخاري في " الأدب المفرد " (١٢٨٤)، ومسلم ١/ ٨٣ (١٣٢) (٢٠٩) و(٢١٠)، وأبو داود (٥١١١)، وابن حبان (١٤٥) و(١٤٦) و(١٤٨) عن أبي هريرة، به.
3 البقرة: ٢٨٤.
4 البقرة: ٢٨٦.
5 أخرجه: أحمد ١/ ٢٣٣ و٣٣٢، ومسلم ١/ ٨١ (١٢٦) (٢٠٠)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في " الكبرى " (١١٠٥٩) وفي " التفسير "، له (٧٩)، والطبري في " تفسيره " (٥٠٦٦) و(٥٠٦٩)، والواحدي في " أسباب النْزول " (١٦٦) بتحقيقي، عن ابن عباس، به.
6 أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٠٧٩) عن قتادة.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout