وَرَوَى ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَيْءًٌ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ فِي عَهْدِ النََّّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانُ (^١). وكأَنَّ مَالِكًا يُشِيرُ بِالأَهْوَاءِ إِلَى مَا حَدَّثَ مِنَ التَّفْرُُّّق فِي أَُصُولِ الدِّيَانَاتِ مِنْ أَمْرِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُرْجِئَةِ وَنَحْوِهِمْ مِمََّّن تُكَلَُّّم فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، أَوْ فِي تَخْلِيدِهِمْ فِي النَّارِ، أَوْ فِي تَفْسِيقِ خَوَاصٍِّّ هَذِهِ الْأَمَةَ، أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ، فَزَعَمَ أَنَّ الْمَعَاصِي لَاَ تَضُرَُّّ أَهْلََهَا، أَوْ أَنََّّه لَاَ يَدْخُلُُ النََّّار مِنْ أَهْل التَّوْحِيدِِ أَحَدٌِ.
وأَصْعِبُُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَُْحَدَِثٌ مِنَ الْكَلَاَمِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَضَائِهِ وَقَدْرِهُ، فَكَذَبَ بِذَلِكَ مِنْ كَذِبٍ، وَزَعَمَ أَنََّّه نَزَّه اللَّهُ بِذَلِكَ عَنِ الظُّلْمِ.
وَأَصْعَبُِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَُْحَدَِثَ مِنَ الْكَلَاَمُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، مِمََّّا سَكَتَ عَنْهُُ النََّّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ وَالَّتَِّابِعُوْنََ لَهُمْ بِإِحْسَّانٍ، فَقُوْمٌ نََفَوا كَثِيرًُا مِمَّّا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّّنَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَزَعَمُوا أَنََّّهُمْ فَعَلُوهُ تَنَْزِيهًُا لِلَّهِ عَمَّا تَقْتَضِي الْعُقُولَُ تَنْْزِيهُهُ عَنْهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ لاَزِمَ ذَلِكَ مُسْتَحِيلًٌ عَلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وقَومٌ لَمْ يَكْتَفُوا بِإِثْبَاتِهِ، حَتَّى أَثْبَتُوا بِإِثْبَاتِهِِ مَا يُظَنُّ أنَّه لازِمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذِهِ اللََّّوَازِمُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًُا دَرَجَ صدْرُ الأمَِّّة على السُّكوت عَنهَا.
ومِمَّا أَُْحَدَِثٌ فِي الْأَمَةِ بَعْْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْكَلَاَمُُ فِي الْحَلَاَلِ وَالْحَرَامِ بِمَجَرَِّّدِ الرَّّأي، وردُّ كَثِيرٍ مِمَّا وَرَدَتُ بِهِ السُّّنَة فِي ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِلرََّّأَيِّ وَالْأَقِيسَةِ
الْعَقْلِيَّةِ.
وَمِمَّا حَدَّثَ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَاَمُِ فِي الْحَقِيقَةِ بِالذََّّوق وَالْكَشْفِ، وَزَعَمَ أَنََّّ الْحَقِيقَةَ تَُنَافِي الشَّرِيعَةِ، وَأَنََّّ الْمَعْرِفَةَ وَحَدََهَا تَكْفِي مَعَ الْمُحَبَِّّة، وَأَنََّّه لاَ حَاجَةََ إِلَى الأَعْمَالِِ، وَأَنََّّها حِجَابًٌ، أَوْ أَنََّّ الشََّّرِّيعة إِنَّما يَحْتَاجُُ إِلَيْهَا الْعَوَامُُّ، وَرُبَّمَا انْضَمََّّ إِلَى ذَلِكَ الْكَلَاَمُِ فِي الذَِّّاتِ وَالصَّّفَاتِ بِمَا يَعْلَمُ قَطْعًُا مُخَالَفَتَُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّّنَة، وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأَمَةِ، وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍٍ مُسْتَقِيمٌ.
1 ذكره الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١٣/ ٣١١.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout