لِلْقَاءِ رَبُّهُ الْكَرِيمَ، بَعْدَ أَنْ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ سَنَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - مِنْ خِلَالِ بَيَانِ صَحِيحِ الْحَدِيثِ وَسَقِيمِهِ، وَاتِّبَاعِ مَنْهَجِ السَّلَفِ الْكِرَامُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَوَافَاهُ الْأَجَلُ سَنَةً (٧٩٥ هـ) فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (^١) بدَمَشَقَ بِأَرْضِ الْحَمِيْرِيَّةِ بِبُسْتَانٍ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ (^٢) وخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ (^٣) والسيوطِيُّ (^٤) رحمَهُمَا اللَّهُ فَقَالاَ: إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ وَشَكَّ أَبُو الْمَحَاسِنِ الدِّمَشْقِيُّ فَقَالَ: «َفِي رَجَبٍ أَوْ رَمَضَانَ (^٥)» مِنْ ذَلِكَ نَجِدَ أَنَّهُ لَا خِلَاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَقْيِيدِ وَفَاتِهِ بِعَامٍ (٧٩٥ هـ)، إلا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي شَهْرِ وَفَاتِهِ وَدَُفَنَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالْبَابِ الصَّغِيرِ جِوَارَ قَبْرِ الشَّيْخِ الْفَقِيهُ أَبِي الْفَرْجِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيِّ ثُمَّ الْمَقْدِسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْمُتَوَفَّى فِي ذِي الْحُجَّةِ سَنَةٌ (٤٨٦ هـ (^٦)).
قال ابن نَاصِر الدَّيْنِ الدِّمَشْقِيُّ: «َوَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ حَفَرَ لَحَدِّ ابْنِ رَجَبٍ أَنََّّ الشَّيْخُ زَيْنَ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ جَاءَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِأَيَّامٍ فَقَالَ لِي: احْفِرْ لِي هَا هُنَا لَحَدًٍا، وَأَشَارَ إِلَى الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا قَالَ فَحَفَرْتُ لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فِي الْقَبْرِ وَاضْطَجَعَ فِيهِ فَأَعْجَبَهُ قَالَ: هَذَا جَيِّدٌ ثُمَّ خَرَجَ، وَقَالَ: فَوْ اللَّهِ مَا شَعَرْتُ بَعْدَ أَيَّامٍ إِلَّا وَقَدْ أُتِيَ بِهِ مَيِّتًٍا مَحْمُولًًا فِي نَعْشِهِ فَوَضَعْتْهُ فِي ذَلِكَ اللَّحَدِ (^٧) فَرَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا الْفَرَجِ وَرَزَقَكَ الْفِرْدُوسَ الأَعْلَى.
حرص ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى تَلَقِّي الْعِلْمِ مَنْ أَفْوَاهُ الرِّجَالِ، فَطَافَ الْبِلَاَدُ وَرَحِلَ فِي الْآفَاقِ، فَسَمِعَ مِنَ الْبَعْضِ وَأَجَازَهُ الْبَعْضُ الْآخَرَ، وَكَانَتْ بِدَايَةُ رِحْلَتِهِ فِي سِنِّ الصِّغَرِ، عِنْدَمَا رَحِلَ بِهِ وَالِدُهُ مِنْ مَوْطِنِ وِلَادَتِهُ بِغْدَادِ قُبَّةِ الْإِسْلَامِ وَحَاضِرَةِ الدُّنْيَا إِلَى دِمَشْقٍ، وَمِنْ هُنَاكَ بَدَأَتْ رِحْلَتُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّلَقِّي عَنْ الشُّيُوخِ فَرَحِلَ إِلَى مِصْرٍ وَنَابَلَسَ وَالْحِجَازِ وَالْقِدْسِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَصْبَحَ لَهُ عَدَدٌ غَفِيرٍ مِنَ الشُّيُوخِ، وَنَذْكُرُ هُنَا أَبْرَزُ الشُّيُوخَ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ وَهُمْ مُرْتّبُونَ حَسَبَ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَهُمْ كَمَا يَلِي:
1 انظر: وجيز الكلام للسخاوي ١/ ٣٠٨، وشذرات الذهب لابن العماد ٦/ ٣٤٠.
2 شذرات الذهب ٦/ ٣٤٠.
3 الدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢.
4 طبقات الحافظ (١١٧٠).
5 ذيل تذكرة الحفاظ: ١٨١.
6 انظر: شذرات الذهب ٦/ ٣٤٠.
7 ذيل تذكرة الحافظ: ١٨٢، والدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢، وشذرات الذهب ٦/ ٣٤٠.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout