وَقَوْلُهُ: «َإِذَا لَمْ تَسْتَحْيَ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتُ» فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنََّّه لَيْسَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ: أَنَّْ يَصْنَعَ مَا شَاءَ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى الذِّمِِّّ وَالنَّهْيِ عَنْهُ، وَأَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَهُمْ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنََّّه أَمْرٌٌ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْمَعْنِيِّ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَكَ حَيَاءً، فَاعْمَلْ مَا شِئْت، فَإِنََّّ اللَّهُ يُجَازِيك عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^١)، وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (^٢) وقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
: «مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ، فََلِيُشَقِّص الخنازِيرِ»ُ (^٣)،
يعني: ليَقْطِعُها إِمَّا لِبَيْعِهَا أَوْ لِأَكْلِهَا، وَأَمْثِلَتُهُ مُتَعَدِِّّدَّةً وَهَذَا اخْتِيَارٌُ جَمَاعَةً، مِنْهُمْ: أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّه أَمْرٌ، وَمَعْنَاهُ: الْخَبَرُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَحْيَ، صَنَعَ مَا شَاءَ، فَإِنََّّ الْمَانِعَُ مِنْ فِعْلِ الْقَبَائِحِ هُوَ الْحَيَاءُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَيَاءًٌ، انْهَمُكَ فِي كَُلِّ فَحِشَاءُ وَمُنْكَرٌ، وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ مِثْلِهِ مَنْ لَهُ حَيَاءٌ عَلَى حَدًِّّ قَوْلُهُ - صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلم -: «مَنْ كَذَب عَلِيَّ مُتَعَمِّدًٌا (^٤)، فليَتَبَوَّأ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِِ»ِ (^٥)،
فإنَّ لفظه لفظُ الأمْر، وَمَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَإِنََّّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَهَذَا اخْتِيَارُُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّاَمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَابْنُِ قُتَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدُ مَا يَدُلُُّّ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ.
1 فصلت: ٤٠.
2 الزمر: ١٥.
3 أخرجه: الحميدي (٧٦٠)، وأحمد ٤/ ٢٥٣، والدارمي (٢١٠٢)، وأبو داود (٣٤٨٩)، والطبراني في " الكبير " ٢٠/ (٨٨٤) وفي " الأوسط "، له (٨٥٣٢)، والبيهقي ٦/ ١٢، وإسناده ضعيف لجهالة حال عمر بن بيان التغلبي. قوله: «فليشقص الخنازير» معناه: فليقطع الخنازير قطعًا ويعضيها إعضاءًا كما يفعل بالشاة إذا بيع لحمها، المعنى: من استحل بيع الخمر، فلْيستحل بيع الخنازير، فإنَّهما في التحريم سواء، وهذا لفظ معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابًا. انظر: لسان العرب ٧/ ١٦٣.
4 سقطت من (ج).
5 أخرجه: الطيالسي (٢٤٢٠)، وأحمد ٢/ ٤١٠ و٤٦٩ و٥١٩، والدارمي (٥٥٩)، والبخاري ١/ ٣٨ (١١٠) و٨/ ٥٤ (٦١٩٧)، ومسلم ١/ ٧ (٢) (٣) من حديث أبي هريرة، به، وهو حديث متواتر انظر تخريج بعض طرقه في تعليقي على " شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout