أَمَّا جَدُّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ حَفِيدُهُ ابْنُ رَجَبٍ هُوَ قَوْلُهُ: «ُقُرِئَ عَلَى جَدِّي أَبِي أَحْمَدَ - رَجَبُ بْنُ الْحَسَنِ - غَيْرُ مَرَّةٍ بِبَغْدَادَ وَأَنَا حَاضِرٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّارُ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَسَتَّمِئَةً، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْقَطِيعِيُّ … عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «َمَنْ يَقُلْ عَلِيَّ مَا لَمْ أَقَلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ»ِ (^١). وهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَدَّهُ كَانَ مُهْتَمًًا بِعِلْمِ الْحَدِيثِ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ النَّاسُ.
وَأَمَّا أَبُوهُ فَهُوَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ وَلَدٌ فِي بَغْدَادَ وَسَمِعَ مِنْ مَشَايِخِهَا، ثُمَّ رَحَلَ مَعَ أَوْلَادِهِ إِلَى دِمَشْقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعَمِئَةَ (^٢).
ولما كان ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْحَدِرُ مِنْ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الَّتِي اهْتَمَّتْ بِالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، فَقَدْ نَشَأَ نَشْأَةً عِلْمِيَّةٍ أَهْلَتُهُ أَنْ يَكُونَ فِي مَصَافِ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ الَّذِينَ صَنَعُوا لِلْإِسْلَامِ أَزْهَى أَمْجَادَهُ، فَذَاعَ صِيَّتِهِ وَكَثُرَ مُرِيدُوهُ مِنْ كُلِّ الْبِلَادِ، وَتَنَوَّعَتْ فَنُونُهُ. فَكَانَتْ بِدَايَةُ طَلَبِهُ لِلْعِلْمِ فِي سِنِّ الصِّغَرِ إِذْ رَحِلَ بِهِ وَالِدُهُ إِلَى بِلَادٍ أُخْرَى وَحَصَلَ عَلَى إجَازَاتٍ مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، فَأَجَازَهُ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرِهُ، وَسَمِعَ أَيْضًٍا مِنْ عُلَمَاءِ مَكَّةَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: «َإِنَّهُ اشْتَغَلَ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ بِاعْتِنَاءِ وَالِدِهِ (^٣)» فَقَدْ كَانَ إِمَامًٌا فِي صِنَاعَةِ الأَسَانِيدِ وَفَنِ الْعِلَلِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنََّّه كَانَ عَالِمًًا بِالْفِقْهِ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَعْلَامِ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِيِّ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا خَلْفَهُ مِنْ تُرَاثٍ ضَخْمٍ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ، وَهَكَذَا يَكُونُ أَحَدُ الْجَهَابَذَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى انْفِتَاحِ قَرَائِحِ الْعُلَمَاءِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي، إِلَّاَّ أَنََّّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي بَلَغَهَا هَذَا الْعَالِمَ لَمْ تَزِدْهُ إِلَّا صِفَاءًً وَخَلْقًَا وَتَوَاضَعًَا فَمَالَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ بِالْمَحَبَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْفَرْقُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ الْعِمَادِ: «َوَكَانَتْ مَجَالِسَ تَذْكِيرِهِ لِلْقُلُوبِ صَارِعَةً وَلِلنَّاسِ عَامَّةٌ مُبَارَكَةٌ نَافِعَةً، اجْتَمَعَتْ الْفَرْقُ عَلَيْهِ وَمَالَتْ الْقُلُوبُ بِالْمَحَبَّةِ إِلَيْهِ (^٤)»، كَيْف لاَ وَقَدْ جَبِلْتُ الْقُلُوبُ عَلَى حَبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَبَغْضُ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.
بَعْدَ رِحْلَةِ طَوِيلَةً وَشَاقَةً مِنَ الْجِهَادِ فِي خِدْمَةِ هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ، اسْتَعَدَّ ابْنُ رَجَبٍ
1 الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٣ - ٢١٤، والحديث صحيح متواتر انظر تفصيل كثير من طرقه في تعليقي على شرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
2 شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.
3 شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩. …
4 شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout