وقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٢)، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٣).
وقد يُعَبَّرُ عنها في القرآن بلفظ «الابتغاء»، كما في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله﴾ (^٦)، وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٧).
فنفى الخيرَ عَنْ كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمرِ بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصَّدقةَ، والإصلاحَ بينَ النَّاس؛ لعموم نفعهما، فدلَّ ذلك على أنّ التَّناجي بذلك خيرٌ، وأمّا الثوابُ عليهِ مِنَ اللهِ فخصّه بِمَنْ فعله ابتغاءَ مرضات الله.
وإنَّما جَعَل الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة، والإصلاح بينَ النَّاس وغيرهما خيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللهِ، لما يترتَّبُ على ذلك مِنَ النَّفْعِ المُتعدِّي، فَيَحْصُلُ به للنَّاسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمّا بالنِّسبة إلى الأمر، فإنْ قَصَدَ به وجهَ اللهِ وابتغاءَ مَرضاته كان خيرًا له، وأُثيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله، يقصِدُ بذلك عَرَضَ الدُّنيا، فإنّه لا خيرَ له فيه بالكُلِّيّة؛ لأنَّه لا نفع في ذلك لصاحبه، لما يترتّب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ يحصُلَ لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك.
وأمّا ما ورد في السُّنَّةِ وكلام السَّلفِ مِنْ تسمية هذا المعنى بالنِّيَّةِ، فكثيرٌ جدًا، ونحن نذكر بعضَه، كما خرَّج الإمام أحمدُ والنَّسائيّ مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ غَزَا في سَبيلِ الله ولم يَنْوِ إلاَّ عِقالًا، فله ما نوى» (^٨).
1 الأنعام: ٥٢.
2 الكهف: ٢٨.
3 الروم: ٣٨ - ٣٩.
4 الليل:٢٠.
5 البقرة: ٢٦٥.
6 البقرة: ٢٧٢.
7 النساء: ١١٤.
8 أخرجه: أحمد ٥/ ٣١٥ و٣٢٠، والنسائي ٦/ ٢٤ وفي " الكبرى "، له (٤٣٤٦) و(٤٣٤٧). وأخرجه أيضًا: الدارمي (٢٤٢١)، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " ٥/ ٣٢٩، وابن حبان (٤٦٣٨)، والحاكم ٢/ ١٠٩، والبيهقي ٦/ ٣٣١، وإسناده ضعيف؛ فإنَّ يحيى بن الوليد بن عبادة مجهول لم يرو عنه غير جبلة بن عطية.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout