وَلِنَرْجِعَ إلَى شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَنَقُولُ: مََنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُوجَدُُ مِثْلَُهَا فِي كِتَابٍ، وَلَا سُنَةً، بَلْ اشْتَغَلَ بِفَهْمِ كَلَامُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَصَدَُهُ بِذَلِكَ امْتِثَالًُ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابًُ النَّوَاهِي، فَهُوَ مِمَّّنِ امْتِثَلََ أَمْرََ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْه وَسَلم - فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَعََمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ اهْتِمَامَُهُ بِفَهْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاشْتَغَلَ بِكَثْرَةٍِ تَوْلِيدٍِ الْمَسَائِلِ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، وَتُكَلََّّفَ أَجْوَبْتُهَا بِمِجَرَِّّدِ الرَّأْيِ، خُشِيَ عَلَيهِ أَنْ يَكُونََ مُخَالِفًًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، مُرْتَكِبًًا لِنَهْيِهِ، تَارِكًًا لِأَمْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنََّّ كَثْرَةََ وُقُوعُ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَاَ أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنََّّما هُوَ مَِنْ تَرْكَ الِاشْتِغَالِ بِامْتِثَالِِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاجْتِنَابٍِ نَوَاهِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَوْ أَنََّّ مَنْ أَرَادََ أَنْْ يَعْمَلَ عَمَلًَا سَأَلَ عَمََّّا شَرَعَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَامْتَثَلَهُ، وَعَمَّا نَهَى عَنْهُ فَاجْتَنَبَهُ، وَقَعَتْ الْحَوَادِثُُ مُقَيَّدَةًً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَةِ.
وَإِنََّّما يَعْمَلُ الْعَامِلَُ بِمُقْتَضَى رَأْيِهِ وَهَوَاهُ، فَتَقَعُ الْحَوَادِثُُ عَامَّتُها مُخَالِفَةًً لِمَّا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرُبَّمَا عُسِرَ رَدَُّّها إِلَى الأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِبُعْدِهَا عَنْهَا.
وَفِي الْجُمْلَةِ: فَمَنْ امْتَثَلَ مَا أُمَرَ بِهِ النََّّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَىَ
عَنْهُ، وَكَانَ مُشْتَغِلًًا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، حَصَلَ له النَّجَاةَُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمََنْ خَالَفَ ذَلِكَ، وَاشْتَغَلََ بِخَوَاطِرِهِِ وَمَا يَسْتَحْسِنُهُ، وَقَعَ فِيمَا حُذََّّرَ مِنهُ النََّّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ حَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ هَلَكُوا بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَعَدَمِِ انْقِيَادِهِمْ وَطَاعَتُهُمْ لِرُسُلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ -: «َإِذَا نُهَيْتَُكُمْ عَنْ شَيْءٍٍ، فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُُكُمْ بِأَمْرٍٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطْعْتُمْ»َ قَالَ بَعْضُُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ النََّّهيَّ أشدُّ مِنَ الأَمْرِ؛ لِأَنََّّ النََّّهيَّ لم يُرَخَّصْ في ارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَالأَمْرُ قُيِّدَ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ (^١)، ورُوي هَذَا عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلَُ بَعْضِهُمْ: أَعْمَالُ الْبَِرِّ يُعمَلُها الْبِرُِّّ وَالْفَاجِرُُ، وأَمَِّّا الْمَعَاصِيُّ، فَلَاَ يَتْرُكُهَا إِلَّاََّّ صِدِّيق (^٢).
1 انظر: التمهيد في أصول الفقه ١/ ٣٦٤.
2 ذكره: أبو نعيم في " الحلية " ١٠/ ٢١١ من قول سهل التستري.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout