فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِ والسُّفليّ (^١) معًا حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله (^٢)، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه (^٣)، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ (^٤) حركة القلب.
وروى الليثُ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿لا تُشْرِكوا به شيئًا﴾ (^٥) قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشِّركُ
أخفى من دبيب الذرِّ (^٦) على الصفا في اللَّيلة الظَّلماء، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيءٍ من الجور، وأنْ تُبغض على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغض؟ قال الله - عز وجل -
: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ (^٧)» (^٨) فهذا يدلُّ على أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيِّ، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة.
قال الحسن: قال أصحابُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ ربنا حبًا شديدًا. فأحبَّ الله أنْ يجعل لحبه عَلَمًا (^٩)، فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾. ومن هنا قال الحسن: اعلم أنَّك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته.
وسئل ذو النون: متى أُحِبُّ ربي؟ قالَ: إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر
1 في (ص): «والعالم السفلي».
2 في (ص): «لله وحده لا شريك له».
3 من قوله: «وإن كانت حركته …» إلى هنا سقط من (ص).
4 سقطت من (ص).
5 النساء: ٣٦، والأنعام: ١٥١.
6 في (ص): «النمل».
7 آل عمران: ٣١.
8 أخرجه: الحاكم ٢/ ٢٩١، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ٢/ ٨٢٣ (١٣٧٨) وهو حديث ضعيف ضعفه الدارقطني وابن الجوزي والذهبي.
9 أخرجه: الطبري في " تفسيره " (٥٣٨٥)، وطبعة التركي ٥/ ٣٢٥، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٣٤٠٢).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout