الْقَلِيلُ إذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ شَيْئًٌا، فَإِنََّّه تَبْعُدُ معه السلامَةَُ مِنَ الْحَرَامِ بِخِلَاَفِ الْكَثِيرِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَل ذَلِكَ عَلَى الْوَرَعِ دُُونَ التَّحَرِيم، وَأَبَاحَ التَّصَرُُّّف فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بَعْدَ إخْرَاجِ قَدْرِ الْحَرَامِ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُُ الْحَنَفِيَُّّة وَغَيْرُهُمْ، وَأَخَذَ بِهِ قَوْمًٌ مَِنْ أَهْلُ الْوَرَعِ مِنْهُمْ بِشْرٌٌ الْحَافِي.
ورخَّص قومٌ مِنَ السََّّلف فِي الأَكْلِ مِمَّنْ يَعْلَمُ فِي مَالِهِ حَرَامٌ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّّهُ مِنْ الْحَرَامِ بِعَيْنِهِ، كَمَا تَقَدََّّم عَنْ مَكْحُولٍ وَالزَُّّهريِّ. وَرُوِي مِثَلُُهُ عَنِ الْفُِضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ آثَارًٌ عَنِ السَِّّلف، فَصَحََّّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنََّّه سُئِلَ عمَّن له جارٌ يَأْكُلُُ الرَِّّبا علانِيَةًُ وَلاَ يَتَحَرََّّجُ مِنْ مَالٍ خَبَيْثٌٍ يَأْخُُذُُهُ يَدْعُوهُ إِلَى طَعَامِهِ، قَالَ: أُجِيبُوهُُ، فَإِنََّّما المَهْنأُ لَكُم وَالْوِِزْرُ عليه (^١).
وفي رِوَايَة أنَّه قَال: لاَ أَعْلَمُُ لَهُ شَيْئًٌا إِلَّاَّّ خَبِيْثًُا أَوْ حَرَامًًا، فَقَالَ: أُجِيبُوهُ. وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنََّّه عَارِضُهُ بِمَا رَُوِي عَنْهُ أَنََّّه قَالَ: الإِثْمُ حَوَازُّ القلُوبُ (^٢).
وروي عَنْ سَلْمَانَ مَثَلَُ قَوْلِِ ابْنِِ مَسْعُودٍ الأَوَّلِ (^٣)، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَُورِّق العِجلي، وإِبْرَاهِيمُ النََّّخعي، وابْنُِ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ، وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي كِتَابٍ " الْأَدَبُ " لِحَُمَِيدِ بْنِ زَِنْجُوَيْهِ، وَبَعْضُهَا فِي كِتَابٍ " الْجَامِعُ " لِلْخَلاَلِ، وَفِي مُصَنِّفِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِمْ (^٤).
ومتى علم أنَّ عَيْنََ الشَّيْءُ حَرَامًٌ، أُخِذَ بِوَجْهٍ مُحْرِمٍ، فَإِنََّّه يَحْرُمُ تَنَاوُلَُه، وَقَدْ حََكَى الإِجْمَاعَُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُِ عَبْدِ الْبَرِِّّ وَغَيْرُُهُ، وَقَدْ رَُوِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي الرَّجُلِ يَُقَضَى مِنْ
1 أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٥) و(١٤٦٧٦).
2 قول ابن مسعود هذا، أخرجه: هناد في " الزهد " (٩٣٤)، والطبراني في " الكبير " (٨٧٤٨) و(٨٧٤٩). حواز القلوب: رواه شمر بتشديد الواو، من حاز يحوز، أي: يجمع القلوب ويغلب عليها، والمشهور بتشديد الزاي. والمشهور عند المحدّثين: جمع حازة، وهي الأمور التي تَحُزُّ في القلوب وتَحُكُّ وتؤثر. انظر: النهاية ١/ ٤٥٩، تاج العروس ١٥/ ١٢٥ (حرز).
3 أخرجه: عبد الرزاق (١٤٦٧٧).
4 انظر: مصنف عبد الرزاق الأحاديث (١٤٦٧٨) - (١٤٦٨٢).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout