قُلْت: بَلْ تُقْرَّبُ مِنْ الْكُفْرِ أَيْضًا.
ثم نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ حَمَلَ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالَ:
" الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدَ،
فَيَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ مُحْرَّمًا، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ ".
وَهُو تَفْصِيلٌ حَسَنٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثَ فِي النَّهْيِ عَنْ النَّذْرِ فَإِنَّهَا
فِي نَذْرِ الْمُجَازَاةِ.
قُلْت: يُرِيدُ بِالْقِصَّةِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (٤ / ٣٠٤) مَنْ طَرِيقِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ
بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودُ بْنَ
عَمْرٍو: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ ابْنِي كَانَ بِأَرْضٍ فَارِسٍ فِيمَنْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ
وَإِنَّهُ وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ طَاعُونَ شَدِيدٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ نَذَرْتُ: إِنَّ اللَّهَ جَاءَ بِابْنِي أَنَّ أَمْشِيَ
إِلَى الْكَعْبَةِ، فَجَاءَ مَرِيضًا، فَمَاتَ، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: (أَوْ لَمْ تَنْهَوْا عَنَ
النَّذْرِ؟ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " النَّذْرُ لَا يُقَدَّمُ شَيْئًا، وَلَا
يُؤَخِّرُهُ، فَإِنَّمَا يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ "، أَوْفُ بِنَذْرِكَ) .
وقَالَ الْحَاكِمُ: " صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ". وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
قُلت: وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ دُونَ الْقِصَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفَلَيْحٌ يَقُولُ الْحَافِظُ فِي
" التَّقْرِيبُ " عَنْهُ: " صُدُّوقٌ كَثِيرِ الْخَطَأِ ".
قلت: فلا ضَيْرَ عَلَى أَصْلِ حَدِيثِهِ مَا دَامَ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي الْحَدِيثِ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى نَذْرِ الْمُجَازَاةِ، فَعَلَى النَّاسِ أَنْ
يَعْرِفُوا ذَلِكَ حَتَّى لَاَ يَقَعُوا فِي النَّهْيِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صَنْعًا!
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout