جَانِبُ الْوَعْدِ؛ فَإِنَّهُ فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ؛ إذْ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًًا دَخَلَ النَّارَ" ... ".
وكَذا أَبُو عَوَانَةَ (١/١٨)، وأَحْمَد (٣/٣٩١) .
وأَقَول: لقَدِ أُلَقِي فِي نَفْسِي أَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي (التَّحِيَّاتِ) بَعْدَ الشَّهَادَةِ:
وَزِدْتُ فِيهَا: وَحْدَهُ لَاَ شَرِيكَ لَهُ ... وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي (تِحِيَاتٍ) غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (١)، فَالظَّاهِر أَنَّهُمَا قَالاَ مَا قَالاَ؛ اعْتِمَادًا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عَليه وسلم - دُونَهُمَا، فَلَمْ يَرْفَعَاهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وَقَدْ يُشِيرُ إِلَى هَذَا - بِالنِّسْبَةِ لِابْنِ مَسْعُودٍ- قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ: لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلم -.
فلعَل هَذَا أَولَى مَنْ تَأْوِيلَ أَنَّهُ قَالَ، ذَلِكَ اسْتِنْبَاطًًا؛ تَمَسُّكًَا بِدَلِيلِ الْخَطَّابِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْحَافِظُ الْمُتَأَخِّرُ؛ فَهُوَ الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ؛ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ الْمَوْقُوفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فِي "الْجَامِعِ الْكَبِيرِ" (٢/٨٣٥) من رِوَايَة (حم، خ، م) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (حم، وَالدَّارِمِيُّ، طب، وَالْبَغَوِيُّ) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. (حم، بَزّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، ن، حُل) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. (ع) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ".
فَأَوْهَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوعٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَزَادَ فِي الْإِيهَامِ فِي كِتَابِهِ الْآخَرِ "الْجَامِعِ الصَّغِيرَ"؛ فَإِنَّهُ اخْتَصَرَ التَّخْرِيجُ فِيهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ إِلَّاَّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِرَمْزٍ (حم، ق) !
1 (١) انظر"صفة الصلاة" (١٦٣) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout