وَأَمَّا مُسْلِمٌ؛ فَالرَّقْمُ الَّذِي سَوَّدُوهُ (١٧٠٩) أَعْجِبُ مَنْ سَابِقِهُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٦/١٢٧):
"تبايعوني عَلِى أَنْ لا تَشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَزَنُوا ... " الْحَدِيثُ (١)، وهَذَا حَدِيثٌ آخَرُ لِعِبَادَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا جُمْلَةَ وَاحِدَةً مِمَّا فِي حَدِيثِ التَّرْجَمَةِ! فَمَا عَسَى أَنْ يَقُولَ النَّاقِدُ النَّاصِحُ فِي أَمْثَالِ هَؤُلَاَءِ الْجَهْلَةِ الَّذِينَ يَتَاجَرُونَ بِجَهْلِهِمْ؟! وَلَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا عُلَمَاءَ وَتَاجَرُوا بِعِلْمِهِمْ؛ لَنَفْعُوا النَّاسِ، وَأَضَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ، أَمَّا هُمْ: "فَضَلُوا وَأَضْلُوا"! نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمْ جَمِيعًَا.
ثم إِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدٌ وَمَسَائِلَ فَقَهِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ فِي شُرُوحِهِمْ، وَبِخَاصَّةٍ مِنْهُمْ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي "فَتْحِ الْبَارِي".
والَّذِي يَهْمَنِي مِنْهَا هُنَا: أَنَّ فِيهِ رَدًًّا صَرِيحًٌا عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ دُونَ أَيِّ شَكَّ أَوْ رَيْبٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَوْا مِنْهُ (كُفِّرًا بِوَاحًا)، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَحَلُّوا قِتَالَهُ وَسَفَكَ دَمَهُ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَاضْطُرَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقِتَالِهِمْ وَاسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِمْ، فَلَمْ يَنُجْ مِنْهُمْ إِلَّاَّ الْقَلِيلَ، ثُمَّ غَدَرُوا بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي التَّارِيخِ.
وَالْمَقْصُودِ أَنَّهُمْ سَنُّوا فِي الْإِسْلَامِ سَنَةً سَيِّئَةً، وَجَعَلُوا الْخُرُوجَ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ دَيْنًًا عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ وَالْأَيَّامِ، رَغِمَ تَحْذِيرِ النَّبِيصَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِمْنَهُمْ فِي أَحَادِيثِ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا قَوْلُهُصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
" الْخَوارِج كِلاَبُ النَّارِ" (٢) .
1 (١) وهو مخرج في "إرواء الغليل " (٧/٣٦٦-٣٦٧) . (٢) وهو مخرج في "المشكاة" (٣٥٥٤)، و"الروض النضير" (٩٠٦ و٩٠٨) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout