الدِّمَاءُ اخْتُلَفَ
فِي نَجَاسَتِهَا كَدَمِ السَّمَكِ مَثَلًا، فَمَا دَامَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى إطْلَاقِهِ لَمْ يَثْبُتْ، لَمْ يَصِحَّ
الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى مَوَارِدِ النِّزَاعِ، بَلْ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى النَّصِّ، وَالنَّصِّ إنَّمَا دَلَّ
عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الْحَيْضِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ
وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
الْأَمْرُ الْآخَرُ: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ الدِّمَاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّهُ مُحْرَّمٌ بِنَصَ
الْقُرْآنِ فَاسْتَلْزَمُوا مِنْ التَّحْرِيمِ التَّنْجِيسِ كَمَا فَعَلُوا تَمَامًا فِي الْخَمْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ
لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّحْرِيمِ التَّنْجِيسِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَمَا بَيَّنَهُ الصَّنْعَانِيُّ فِي " سَبَلَ السَّلَامِ "
ثم الشَّوكَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُحَقِّقُ صَدِيقٌ حَسَنٌ خَانْ فِي " الرَّوْضَةِ النُّدْيَةُ "
(١ / ١٨) بعُد أَنَّ ذَكْرَ حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمُتَقَدِّمِ وَحَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ الثَّالِثَ:
" فَالْأَمْرُ بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ وَحَكِّهُ بِضِلْعٍ يُفِيدُ ثُبُوتُ نَجَاسَتِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ وَجْهُ تَطْهِيرِهِ،
فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَجِسًا، وَأَمَّا سَائِرُ الدِّمَاءِ فَالْأَدِلَّةُ مُخْتَلِفَةٌ، مُضْطَرِبَةٌ
وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةِ مُسْتَصْحَبَةٌ، حَتَّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ الْخَالِصَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ الرَّاجِحَةِ
أَوْ الْمُسَاوِيَةِ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى رُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى (فَإِنَّهُ رَجَسَ)
إلَى جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ،
لَكَانِ ذَلِكَ مُفِيدًا لِنَجَاسَةِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَالْمَيْتَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ،
بَل النِّزَاعُ كَائِنٌ فِي رُجُوعِهِ إلَى الْكُلِّ أَوْ إلَى الْأَقْرَبِ، وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَقْرَبِ
وَهُوَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، لِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ وَلِهَذَا جَزَمْنَا هُنَا بِنَجَاسَةٍ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ دُونَ
الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِدَمٍ حَيْضٍ. وَمَنْ رَامَ تَحْقِيقَ الْكَلَامِ فِي الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي مِثْلِ هَذَا
الضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، فَلْيَرْجِعْ إلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَيْدِ
الْوَاقِعِ بَعْدَ جُمْلَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ ".
وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الشَّوْكَانِىُّ فِي النَّجَاسَاتِ مَنْ " الدُّرَرُ الْبَهِيَّةَ " الدَّمُ عَلَى عُمُومِهِ،
وَإِنَّمَا دَمُ الْحَيْضُ فَقَطْ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَدِيقٌ حَسَنٌ خَانْ كَمَا رَأَيْت فِيمَا نَقَلْته عَنْهُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout