ثُمَّ شَرَعَ فِي الْبَسْطِ الْمَذْكُورِ، وَخَتْمِهِ بِقَوْلِهِ:
"وَحَاصِل الْكَلامِ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ فُضُولِ الْمَسَائِلِ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَتَوَقَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْجَوَابِ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ".
قلت: وَلَقَدْ كَانَ التَّوَقُّفُ الْمَذْكُورُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ فِي أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ، وَجَوَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ أَدِلَّةِ الْآخَرِ، لَوْلَا حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَقَدْ حَكَاهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَيْضًَا، وَإِنْ كَانَ الْحَافِظُ تَكَلَّفَ فِي رَدِّ دَلَالَتِهِ وَتَأْوِيلُهُ:
"بِأَنَّ الْخَيْرِيَّةَ إنَّمَا حَصَلَتْ بِالذَّاكِرِ وَالْمَلَأِ مَعًَا؛ فَالْجَانِبُ الَّذِي فِيهِ رَبُّ الْعِزَّةِ خَيْرٌ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ فِيهِ بِلَا ارْتِيَابٍ، فَالْخَيْرِيَّةُ حَصَلَتْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ ".
وَقَدْ كُنْتُ وَقَفْت مُنْذُ الْقَدِيمِ فِي "التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ " عَلَى حَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ وَابْنِ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ " هُوَ نَصٌّ فِي الْمَوْضُوعِ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ، وَنَصُّهُ:
"أَولُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ: الْفُقَرَاءَ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورِ، وَتُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارَهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: ائْتَوهُمْ فَحَيُوهُمَ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ:
ربُنَا! نَحْنُ سُكَّانُ سَمَاوَاتِكَ، وَخَيَّرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ، أَفَتَأْمِرُنَا أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ؛! قَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا عِبَادًًا لِي يَعْبُدُونِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًٍا، وَتُسُدُّ بِهِمْ الثَّغُورِ..، قَال: فَتَأْتِيهُمْ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ: (سلام عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعَمْ عَقْبَى الدَّارِ) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout