ثَالِثًًا: لَوْ كَانَتْ عَنْعَنَتُهُ هُنَا عِلَّةً؛ لِتَمَسَّكَ بِهَا أَبُو حَاتِمٍ نَفْسَهُ حِينَمَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ "الْعَلَلِ "، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ أَعَلَّهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ غَيْرُ قَادِحَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا سَأَبَينَهُ قَرِيبًٌا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِسْنَادَ صَحِيحٌ جَزْمًَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي "الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ"، كَمَا كُنْتُ ذَكِرْت فِي " صِفَةُ الصَّلَاةِ "، وَالَى ذَلِكَ يُجْنَحُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ شَاكِرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى "التِّرْمِذِيِّ ".
وَلا يُشْكُلُ عَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ اقْتِصَارُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى التَّحْسِينِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - فِيمَا أَرَى- إِلَّاَّ بِسَبَبِ خَوْفِهِ أَنْ يَكُونَ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ وَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ، أَمَّا وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ؛ كَمَا أَسْلَفْت؛ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَأَمَّا مَا أَعَلَّهُ بِهِ أَبُو حَاتِمٍ؛ فَهُوَ مَا فِي كِتَابِ ابْنِهِ "الْعِللِ "، قال (١/١٠٥):
"سألت أبي عن حَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنَ
ابْنِ عُمَرَ ... (فذَكَر الْحَدِيثُ)؛ قَالَ أَبِي:
لَيْسِ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ، وَهُوَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُضْطَرِبٌ، وَإِنَّمَا رَوَىَ هَذَا الْحَدِيثَ نَفِيعُ الأَعْمَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلم - "!
فأقُول: هَذَا الإِعْلاَلُ غَرِيبٌ جَدًٍّّا، وَبِخَاصَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ النَّقَادِ! فَإِنَّهُ لَوْ صَبَّ كَلَامُهُ عَلَى إِسْنَادِ الْحَدِيثِ فَقَطْ؛ لَكَانَ أَهْوَنُ مِنْ نَفْيِهِ صِحَّةُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ لَا يَصِحُّ بِإِسْنَادٍ، وَيَصِحُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ، أَوْ بِشَوَاهِدَ، أَوْ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، وَلِذَلِكَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ؛ لَا يَقُولُ: "حَدِيثٌ ضَعِيفٍ "، وَإِنَّمَا: "إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ " إِلَّا إنْ كَانَ مِنْ الْحِفَّاظِ الْجَامِعِينَ لِلطُّرُقِ وَالْأَسَانِيدِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout