وَسَمَّا حَاشَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، بِخِلَافِ
غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَنْتَمِي إلَى الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّهُمْ يَتَعَصَّبُونَ لِأَقْوَالِ أَئِمَّتِهِمْ -
وَقَدْ نَهُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ - كَمَا يَتَعَصَّبُ أَهْلُ الْحَدِيثِ لِأَقْوَالِ نَبِيِّهِمْ! ! فَلَا عَجَبَ بَعْدَ هَذَا
الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْحَدِيثَ. هُمْ الطَّائِفَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْفُرْقَةُ النَّاجِيَةُ. بَلْ وَالْأَمَةُ
الْوَسْطُ، الشُّهَدَاءُ عَلَى الْخُلْقِ.
وَيُعْجِبُنِي بِهَذَا الصَّدَدِ قَوْلُ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ " شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ "
انْتِصَارَا لَهُمْ وَرَدًا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ:
" وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ شُغِلَ بِمَا يَنْفَعُهُ مِنْ الْعُلُومِ، وَطَلَبَ سُنَنِ رَسُولِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ، وَاقْتَفَى آثَارَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، لِوُجَدَ فِي ذَلِكَ مَا يُغْنِيهِ عَنْ سِوَاهُ،
وَاكْتُفِيَ بِالْأَثَرِ عَنْ رَأْيِهِ الَّذِي يَرَاهُ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ
وَبَيَانِ مَا جَاءَ مِنْ وُجُوهِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَصِفَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - تَعَالَى عَنْ مُقَالَاتِ
الْمُلْحَدِينَ - وَالْإِخْبَارُ عَنْ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِلْمُتَّقِينِ
وَالْفِجَّارِ، وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ وَصُنُوفِ الْعَجَائِبِ وَعَظِيمِ الْآيَاتِ
وَذَكَرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَنَعْتْ الصَّافِينَ وَالْمُسَبِّحِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْبَارِ الزِّهَادِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَمَوَاعِظِ الْبُلْغَاءِ، وَكَلَامِ
الْفُقَهَاءِ، وَسَيْرٌ مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَقَاصِيصِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْأُمْمِ، وَشَرْحِ
مَغَازِيْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَسَرَايَاهُ، وَجَمَلَ أَحْكَامَهُ وَقَضَايَاهُ، وَخَطَبَهُ
وَعِظَاتِهِ، وَأَعْلَامِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، وَعِدَّةِ أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَصْهَارِهِ وَأَصْحَابِهِ،
وَذَكَرَ فَضَائِلُهُمْ وَمَآثِرِهُمْ، وَشَرْحِ أَخْبَارِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَمَبْلَغُ أَعْمَارِهِمْ، وَبَيَانِ
أَنْسَابِهِمْ.
وَفِيهِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَمَا فِيهِ مِنْ النَّبَأِ وَالذَّكَرِ الْحَكِيمِ، وَأَقَاوِيلُ
الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَحْفُوظَةِ عَنْهُمْ، وَتَسْمِيَةٌ مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،
مِنْ الْأَئِمَّةِ الْخَالِفِينَ، وَالْفُقَهَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ أَهْلَهُ أَرْكَانَ الشَّرِيعَةِ، وَهَدِمَ بِهِمْ كُلُّ بِدْعَةٍ شَنِيعَةً، فَهُمْ أَمَنَاءُ اللَّهِ
فِي خَلِيقَتُهُ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَتَهِ، وَالْمُجْتَهِدُونَ فِي
حِفَظُ مِلَّتَهُ، أَنْوَارُهُمْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout