الِاخْتِلَافُ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ غَيْرُ حَدِيثِ التَّرْجَمَةِ، فَهُمَا حَدِيثَانِ مَدَارُهُمَا عَلَى الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ " (٩/ ٦٢٠)، وَحَكى عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ عِنْدِي مُحْتَمَلً، بَلْ هُوَ الْأَرْجَحُ؛ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْأُوَيسِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ بِلَاَلٍ - عَنْ يُونُسَ؛ فَإِنَّهُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ رِوَايَةِ عَقِيلٍ وَبَعْضُ رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمُتَعَلِّقِ بِشَكْوَاهِصَلَى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَوْ بِنَحْوِهِ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدً، وَأَنَّ الرُّوَاةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَانَ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
هَذَا؛ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَنْفُثَ فِي كَفَّيْهِ أَوَّلًَا، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يَمْسَحُ، هَذَا ظَاهِرٌ جَدًٍّا فِيهِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: "ثُم نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا " بِمَعْنًى: ثُمَّ عَزَمَ عَلَى النَّفْثِ، فَقَدْ جَاءَ فِي "تُّحِفَةِ الْأُحْوَذِيِّ " لِلْمُبَارَكُفُورِيِّ (٤/٢٣١) ما نصه:
"قال العينِي: قَالَ الْمُظْهَرِيُّ فِي "شَرْحِ الْمَصَابِيحِ ": ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَفَثٌ فِي كَفِّهِ أَوَّلًَا، ثُمَّ قَرَأَ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنْ الرَّاوِي، وَالنَّفْثِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُنْ بَعْدَ التِّلَاوَةِ لِيُوصِلَ بَرَكَةَ الْقُرْآنِ إلَى بَشَرَةِ الْقَارِئِ أَوْ الْمَقْرُوءِ لَهُ. وَأَجَابَ الطِّيبِيُّ عَنْهُ: بِأَنَّ الطَّعْنَ فِيمَا صَحَّتْ رِوَايَتُهُ لَا يَجُوزُ، وَكَيْفَ وَالْفَاءُ فِيهِ مِثْلُ مَا فِي قَوْله تَعَالَى: (إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَاسْتَعْذَ)، فَالْمَعْنَى: جَمْعُ كَفَّيْهِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى النَّفْثِ. أَوْ لَعَلَّ السِّرَّ فِي تَقْدِيمِ النَّفْثِ فِيهِ مُخَالَفَةُ السُّحْرَةِ. انْتَهَى. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَبـ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) جَمِيعًًا. قَالَ الْحَافِظُ: أَيْ: يَقْرَأُهَا وَيَنْفُثُ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ".
فَأَقُول: لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرِيٌّ لِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَبَعْضُهَا أَوْهُنُ مِنْ بَعْضٍ، وَهَاكَ الْبَيَانُ:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout