فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ الْمُسْلِمِ الْمُوَحَّدِ بِعَمَلٍ يَصْدُرُ مِنْهُ؛ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّهُ جَاحِدٌ وَلَوْ بَعْضَ مَا شَرَعَ اللَّهُ؛ كَاَلَّذِي يُدْعَى إلَى الصَّلَاةِ فَإِنْ اسْتَجَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُعْجِبُنِي بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ مَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ " (١٢/٣٠٠) عن
الغزالي أنهُ قَال:
" وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ مِنْهُ: التَّكْفِيرُ؛ مَا وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلًَا، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقِرَِّّينِ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأً، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفٍ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي سَفْكِ دَمٍ لِمُسْلِمٍ وَاحِدٍ ".
هذَا؛ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمَّا أَُوَِقِفَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ شَكَّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى
نَجَاةِ الْمُسْلِمِ التَّارِكِ لِلصَّلَاةِ مِنْ الْخُلُودِ فِي النَّارِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذِكَرٌ فِي كُلِّ الدَّفَعَاتِ الَّتِي أَخْرَجَتْ مِنْ النَّارِ. وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ عَجِيبَةٌ تَذَكَّرْنَا بِمُكَابَرَةٍ مُتَعَصِّبَةِ الْمَذَاهِبِ فِي رَدِّ دَلَالَاتِ النُّصُوصِ انْتِصَارًًا لِلْمَذْهَبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الدُّفْعَةَ الْأُولَى شَمِلَتْ الْمُصَلِّينَ بِعَلَّامَةِ أَنَّ النَّارَ لَمْ تَأْكُلْ وُجُوهَهُمْ، فَمَا بَعْدَهَا مِنْ الدَّفَعَاتِ لَيْسَ فِيهَا مَصَلُّونٌ بِدَاهَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ مِثْلُ هَذَا بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ الْجَامِدِيْنِ؛ فَلَيْسَ لَنَا إلَّا أَنْ نَقُولَ: (سَلَام عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) .
(تنبِيه): ابن قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ فَاتَهَمَ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا. لَكِنَّ الْعَجِيبَ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًًا لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ مَوْلًى لِلْأَنْصَارِ مَاتَ وَكَانَ يُصَلِّي وَيَدَّعَ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمْرٌ - صلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلم - بِغَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَتَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ بِذِكْرِهِ مَعَ إِسْنَادِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْخَلَّالِ، الْأَمْرِ الَّذِي مَكَّنَنِي مِنْ دِرَاسَتِهِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الضَّعْفِ وَالنَّكَارَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْدَعْتُهُ فِي الْكِتَابِ الْآخَرِ: " الضَّعِيفَةُ " (٦٠٣٦) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout