وَهَذَا مِنْ الْجَهْلِ الْبَالِغِ، وَلَا مَجَالَ الْآنَ لِبَيَانِهِ إلَّا مُخْتَصَرًٌا، فَإِنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ مَعَ كَوْنِهِ ثِقَةً مُحْتَجًٍّا بِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ تُوبَّعَ مِنْ ثِقَةِ مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّ الْحَدِيثَ لَا صِلَةَ لَهُ بِالْإِرْجَاءِ مُطْلَقًٌا، وَهُمَا إنَّمَا ادَّعَيَا ذَلِكَ لِجَهْلِهِمَا بِالْعِلْمِ، وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَالذَّهَبِيُّ، وَكَذَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْعَسْقَلَانِيُّ وَالْبُوصِيرِيُّ؟! وَلَئِنْ جَازَ فِي عَقْلِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي تَصْحِيحِهِمْ إيَّاهُ جَمِيعًًا مُخْطِئِينَ فَهَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ بِهِمَا أَنْ يَعْتَقِدَا بِأَنَّهُمْ يُصَحِّحُونَ مَا يُؤَيِّدُ الْإِرْجَاءَ؟! تَاللَّهُ إنَّهَا لِإِحْدَى الْكِبْرِ؛ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، وَأَنْ يَضْعُفَ مَا يَصَحِّحُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ!
وَهَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ؛ أَنَّ الْجَهْلَ قَدْ يَبْلُغُ بِبَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا الشَّهَادَةَ، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْأَرْكَانِ ثُمَّ هُمْ لَا يَقُومُونَ بِهَا؛ كِلَا، لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُمْ فِي ذَلِكَ كَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْمُسْلِمِينَ حَدِيثًُا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا الشَّهَادَتَيْنِ، وَقَدْ يَقَعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْعَوَاصِمِ، فَقَدْ سَأَلَنِي أَحَدُهُمْ هَاتِفِيًا عَنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا، وَكَانَتْ تُصَلِّي دُونَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجِمَاعِ! وَقَرِيبًٍا سَأَلَنِي إمَامٌ مَسْجِدٌ يُنْظُرُ إلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ الْعُلَمَاءَ! سَأَلَنِي عَنْ ابْنِهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي جُنُبًًا بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَاحْتَلَمَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَمُ وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ! وَقَدْ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى " (٢٢/ ٤١):
" وَمَنْ عَلْمَ أَنَّ مُحَمَّدًًا رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَثِيرًٌا مِمَّا جَاءَ بِهِ؛ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعْذَرْ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنَّهُ [أَنْ] لَاَ يُعَذِّبُهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - الْمُسْتَفِيضَةُ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout