وَالْفِئَةُ الثَّانِيَةُ: نَابِتَةٌ نَبَتَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ؛ لَمْ يُؤْتُوْا مِنْ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ إلَّا نَزَرًَا يَسِيرًَا، وَبِخَاصَّةِ مَا كَانَ مِنْهُ مُتَعَلِّقًًا بِالْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْعِلَمِيَّةُ الْمُسْتَقَاةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ اغْتَرُوا بِعِلْمِهِمْ فَانْطَلَقُوا يُبْدُِّّعَوْنَ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ، وَرُبَّمَا كَفَرُوهُمْ لِسُوءٍ فَهُمٍ أَوْ زِلَّةٍ وَقَعَتْ مِنْهُمْ، لَا يَرْقِبُونَ فِيهِمْ (إلًا وَلَا ذِمَّةَ)، فَلَمْ يَشْفَعْ عِنْدَهُمْ مَا عَرَفُوا بِهِ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ وَالْعِلْمِ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ الْكُفْرِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ الْإِيمَانِ؛ أَلَّا وَهُوَ الْجَحْدُ وَالْإِنْكَارُ لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ الْحُجَّةِ وَالْعِلْمِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قَوْمٍ فِرْعَوْنَ: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتِنَا مُبَصَّرَةً قَالُوا هَذَا سَحْرٌ مُبَيَّنٌ. وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتِيْقَنْتُهَا أَنْفُسَهُمْ) [النَّملِ /١٣-١٤] . وقَال فِي الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْقُرْآنِ: (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارَ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخَلْدِ جَزَاءًً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحُدُونَ) [فَصَلت/٢٨] وَلذلك قَالَ شَيْخُ الإِسْلَاَمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ (١٦/ ٤٣٤- مَجمُوع الفَتَاوَى):
" لا يَجُوزُ تَكْفِيرُ كُلِّ مَنْ خَالَفَ السَّنَةَ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ كَافِرًًا لَاَ سِيَّمَا فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا نِزَاعُ الْأَمَةِ ".
يَشِيرُ إِلَى مِثْلِ مَسْأَلَةِ كَلَاَمِ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ، وَاسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عُرْشِهِ، وَعَلُوهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ وَاجِبٌ، وَجَحَدَهَا كُفْرً، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ مَنْ تَأَوَّلِهَا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْأَشَاعِرَةِ بِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ لَهُمْ؛ إِلَّاَّ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَعَانِدَ.
وَهَذَا هُوَ الْمِثَالُ بَيْنَ أَيْدِينَا: الرَّجُلِ النَّبَّاشَ؟ فَإِنَّهُ مَعَ شَكِّهِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى بَعْثِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَاحِدًٌا مُعَانِدًًا؛ بَلْ كَانَ مُؤْمِنًًا بِاَللَّهِ وَبِالْبَعْثِ عَلَى الْجُمْلَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ لِجَهْلِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout