وَالنُّصُوصُ التَّفْصِيلُ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعِيشُ فِي جَوِّ إسْلَامِي عِلْمِي مُصَفًّى، وَجَهِلَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا كَانَ مِنْهَا مَعْلُومًٌا مِنْ الدَّيْنِ بِالضَّرُورَةِ- كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ- فَهَذَا لَا يَكُونُ مَعْذُورًٌا؛ لِأَنَّهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأُقِيمَتْ الْحُجَّةُ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي مُجْتَمَعٍ كَافِرٍ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُ وَأَسْلَمَ؛ وَلَكِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ تِلْكَ الْأَحْكَامِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ يَبْلُغُهُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ مَعْذُورًًا. وَمِثْلُهُ- عِنْدِي- أُولَئِكَ الَّذِينَ يُعِيشُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي انْتَشَرَ فِيهَا الشِّرْكُ وَالْبِدْعَةُ وَالْخِرَافَةُ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْجَهْلَ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ عَالِمٌ يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الضَّلَالِ، أَوْ وُجِدَ وَلَكِنْ بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْمَعْ بِدَعْوَتِهِ وَإِنْذَارِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ أَيْضًٍا مَعْذُورُونَ بِجَامِعِ اشْتِرَاكِهِمْ مَعَ الْأَوَّلِينِ فِي عَدَمِ بُلُوغِ دَعْوَةِ الْحَقِّ إلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لْأَنْذُرِكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) وَقَوْلُهُ: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُفْرَّعُ مِنْهَا تَبْنِي الْعُلَمَاءَ عَدَمَ مُؤَاخَذَةِ أَهْلِ الْفِتْرَةِ؛ سَوَاءٌ كَانُوا أَفْرَادًًا أَوْ قَبَائِلَ أَوْ شُعُوبًا؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعِلَّةِ؛ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَُّّهَى.
ومِنْ هُنَا يَتَجَلَّى لِكُلِّ مُسْلِمٍ غُيُورٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ عَظْمُ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُلْقَّاةِ عَلَى أَكْتَافِ الْأَحْزَابِ وَالْجَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّذِينَ نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدَّعْوَةِ لِلْإِسْلَامِ، ثُمَّ هُمْ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَهْلِهِمْ وَغَفْلْتِهِمْ عَنْ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْإِسْلَامِ، وَلِسَانِ حَالِهِمْ يَقُولُ- كَمَا قَالَ لِي بَعْضُ الْجَهْلَةِ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ-: "دَعَوا النَّاسُ فِي غَفَلَاتِهِمْ "! بَلْ وَزَعَمَ أَنَّهُ حَدِيثٌ شَرِيْفً!! أَوْ يَقُولُونَ- كَمَا تَقُولُ الْعَوَامُّ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ-: "كُلِّ مِينَ عَلَى دِينِهِ، اللَّهُ يُعَيِّنُهُ "! وَهَذَا خَطَأٌ جَسِيمٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ صُدِّقَ مَنْ قَالَ: "فَاقْدِ الشَّيْءُ لَا يُعْطِيهِ "!
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout