وَأَمَّا جَهْلُ هَذَا الرَّجُلِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فِي عِلْمِهِ وَقَدْرِهِ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَخْرَجِهِ مِنْ الْإِيمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعِمْرَانَ بْنُ حُصَيْنٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْه وَسَلّم - عَنْ الْقَدْرِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إنَّمَا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا بِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ كَافِرَيْنِ، أَوْ يَكُونُوا حِينَ سُؤَالِهِمْ عَنْهُ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ.
وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ عَنْ شُفََيٍّ الأُصْبَحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- فَذَكَرَ حَدِيثًَا فِي الْقَدْرِ، وَفِيهِ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم -: فَأَيُّ شَيْءٍ نَعْمَلُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ؟ (١) -، فَهَؤُلاَءُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهُصَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ الْعُلَمَاءُ الْفُضَلَاءُ- سَأَلُوا عَنِ الْقَدْرِ سُؤَالٌ مُتَعَلِّمٌ جَاهِلٌ؛ لَا سُؤَالُ مُتَعَنْتٌ مُعَانِدَ، فَعَلِمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى اللّه عَلَيه وسلم - مَا جَهِلُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَضُرّهُمْ جَهْلَهُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوهُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَسَعُهُمْ جَهْلَهُ وَقْتًَا مِنْ الأَوْقَاتِ؟ لِعِلْمِهِمْ ذَلِكَ مَعَ الشَّهَادَةِ بِالْإِيمَانِ، وَأَخَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي حِينِ إسْلَامِهِمْ، وَلِجَعْلِهِ عُمُودًا سَادِسًًا لِلْإِسْلَامِ، فَتَدَبَّرْ وَاسْتَعَنَ بِاَللَّهِ.
فَهَذَا الَّذِي حَضَرَنِي عَلَى مَا فَهِمْتهُ مِنْ الْأُصُولِ وَوَعَيَّتِهِ، وَقَدْ أَدَّيْت اجْتِهَادِي فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ وَلَمْ آلُ، وَمَا أُبْرِئُ نَفْسِي، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلِمَ عَلِيمٌ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ".
هذا كله كَلامُ الْحَافِظِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ كَلَامٌ قَوِيٍّ مَتَينٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِمَامًٌا فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفُرُوعِهَا، جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
1 (١) رواه أحمد والترمذي وصححه، وهو مخرج في "الصحيحة " (٨٤٨)، و"المشكاة" (٩٦)، وحديث عمران الذي أشار إليه متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٤١٢ و٤١٣)، وفيه حديث عمر (١٧٠) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout