مَسْجِدًا يَعْبُدُ اللَّهُ فِيهِ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَصِيرُ
فَاسِقًا وَالْكَافِرُ يَصِيرُ مُؤْمِنًا أَوْ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ كَافِرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، كُلٌّ بِحَسَبٍ انْتِقَالِ
الْأَحْوَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: * (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً
مُطْمِئِنَةً) * الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَهِيَ مَا زَالَتْ فِي نَفْسِهَا خُيْرَ أَرْضِ
اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُكَّانَهَا. فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ
قَالَ لِمَكَّةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحُزُورَةِ: " وَاَللَّهُ إنَّكَ لَخَيْرٌ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى
اللَّهِ، وَلَوْلاَ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك لَمَّا خَرَجَت " (١)، وَفِي رِوَايَةِ: " خَيْرٌ أَرْضِ اللَّهِ
وَأَحَبُّ أَرْضَ اللَّهِ إِلَيَّ "، فَبَيْنَ أَنَّهَا أَحَبُّ أَرْضَ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَكَانَ مَقَامَهُ
بِالْمَدِينَةِ وَمَقَامَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِهِمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا دَارُ هِجْرَتِهِمْ
، وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوَرَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ
: " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطَا
مَاتُ مُجَاهِدًا، وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَأَجْرَى رِزْقَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَانِ " (٢) .
وفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَنَّهُ قَالَ: " رَبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ يَوْمًا فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ " (٣) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (٤): لأن
أَرَابِطُ لَيْلَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ إِنْسَانٍ أَرْضٍ يَكُونُ فِيهَا أَطْوَعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا
يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَلَا تَتَعَيَّنُ أَرْضٌ يَكُونُ مَقَامَ الْإِنْسَانِ فِيهَا أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا
يَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ،
1 (١) إسناده صحيح، وهو مخرج في " المشكاة " (٢٧٢٥) . (٢) رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " الإرواء " (١٢٠٠) . (٣) قلت: وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي، وهو مخرج في تعليقي على " المختارة " (رقم ٣٠٧) . (٤) بل هو مرفوع، كذلك رواه ابن حبان وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في " الصحيحة " (١٠٦٨) .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout