وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهْلَةِ مِنْ الْخُطْبَاءِ وَالدَّكَاتِرَةِ وَالْأُسَاتِذَةِ، أَنَّ قَوْلَهُ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ " (١) نَاسِخٌ لِلْهِجْرَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ جَهْلُ
فَاضِحٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ مُدَّعِي الْعِلْمِ مِنَ
الْأَسَاتِذَةِ فِي مُنَاقَشَةِ جَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِمُنَاسَبَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَثَارَهَا عَلَيَّ ذَلِكَ الْخَطِيبُ
الْمُشَارَ إِلَيْهِ آنِفًا، فَلَمَّا ذَكَرْتهُ بِالْحَدِيثِ الصَّرِيحِ فِي عَدَمِ انْقِطَاعِ التَّوْبَةِ الْمُتَقَدِّمِ
بِلَفْظِ: " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ.. " إلَخ.. لَمْ يَحِرَّ جَوَابًا! وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ أَنْقَلَ إلَى
الْقِرَاءِ الْكِرَامُ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورِينَ، وَأَنَّهُ لَا
تَّعَارُضَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ فِي " مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى " (١٨ / ٢٨١): " وَكِلاهما حَقٌّ،
فَالْأَوَّلُ أَرَادَ بِهِ الْهِجْرَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي زَمَانِهِ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ
وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لِمَّا كَانَتْ مَكَّةَ وَغَيْرُهَا دَارَ كُفْرٍ
وَحَرْبٍ، وَكَانَ الْإِيمَانُ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَتْ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ
وَاجِبَةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا فُتَحَتْ مَكَّةَ وَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَتْ الْعَرَبُ فِي
الْإِسْلَامِ صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ كُلَّهَا دَارَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ "،
وَكَوْنِ الأَرْضِ دَارَ كُفْرٍ وَدَارِ إيمَانٍ، أَوْ دَارٍ فَاسِقَيْنِ لَيْسَتْ صِفَةً لَازِمَةً لَهَا: بَلْ هِيَ صِفَةُ
عَارِضَةٌ بِحَسَبِ سُكَّانِهَا، فَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانَهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ هِيَ دَارُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فِي
ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانَهَا الْكُفَّارُ فَهِيَ دَارٌ كُفَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكُلُّ أَرْضِ
سُكَانِهَا الْفُسَّاقُ فَهِيَ دَارٌ فُسُوقٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ سَكَنَهَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَتَبَدَّلَتْ
بِغَيْرِهِمْ فَهِيَ دَارِهِمْ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا تَبَدَّلَ بِخِمَارَةٍ أَوْ صَارَ دَارٍ فِسْقٍ أَوْ دَارٍ ظُلْمٍ أَوْ
كَنِيسَةٍ يُشْرِكُ فِيهَا بِاَللَّهِ كَانَ بِحَسَبِ سُكَّانِهِ، وَكَذَلِكَ دَارُ الْخَمْرِ وَالْفُسُوقِ وَنَحْوِهَا إذَا
جَعَلْتْ
1 (١) متفق عليه، وهو مخرج في" الإرواء " (١٠٥٧)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout