أَحَدُهُمَا: " إنَّ الْإِيمَانَ لِيَأْرِزَ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأَرَّزُ الْحَيَّةَ إلَى حِجْرِهَا ". أَخْرَجَهُ
الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا. وَالْآخَرُ: " لَا تُزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَيْنِ عَلَى الْحَقِّ
حَتَى يَأْتِيهِمْ أَمْرَ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ "، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَوَاتِرٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ
الصَّحَابَةِ، وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ عَنْ جَمْعٍ مِنْهُمْ بِرَقِّمٍ (٢٧٠ و١١٠٨ و١٩٥٥ و١٩٥٦)، و"
صحيح أَبِي دَاوُدَ " (١٢٤٥)، وفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمْ " أَهْلُ الْمَغْرِبِ " أَيْ الشَّامِ، وَجَاءَ
ذَلِكَ مُفَسِرًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعَاذٍ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: "
إذا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمَ، وَلَا تُزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي.. " الْحَدِيثُ. وَفِي
هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إشَارَةُ قَوِيَّةٌ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْبِلَادِ إنَّمَا هِيَ بِالسُّكَّانِ وَلَيْسَ
بِالْحِيطَانِ. وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ كَتَبَ أَبُو
الدَّرْدَاءِ إلَيْهِ: أَنْ هَلِمَ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: إنَّ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
لَا تُقْدَسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يَقْدِسُ الْإِنْسَانُ عَمَلَهُ. (مُوطَّأَ مَالِكٌ ٢ / ٢٣٥) . وَلِذَلِك فَمِنَ
الْجَهْلُ الْمُمِّيِّتُ وَالْحِمَاقَةُ الْمُتَنَاهِيَّةُ - إنْ لَمْ أَقَلَّ وَقِلَّةُ الدِّيْنِ - أَنْ يَخْتَارَ خَطِيبَ
أَخْرَقَ الْإِقَامَةَ تَحْتَ الِاحْتِلَالِ الْيَهُودِيِّ، وَيُوجِبُ عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ الْمُضْطَهِدِينَ أَنْ
يُهَاجِرُوا إلَى (تِلِ أَبِيبَ)، دُونَ بَلَدِهِ الْمُسْلِمِ (عَمَانً) مَثَلًا، بَلْ وَدُونَ مَكَّةَ
وَالْمَدِينَةِ، مُتَجَاهِلًا مَا نَشَرَهُ الْيَهُودُ فِي فَلَسْطَيْنِ بِعَامَّةٍ، وَ(تِل أَبِيبَ) وَ(حِيفَا)
وَ(يَافَا) بخَاصَّةَ مِنَ الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ وَالْخُلَاعَةِ حَتَّى سَرَىَ ذَلِكَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِحُكْمِ الْمُجَاوَرَةِ وَالْعَدْوَى، مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ سَاكَنَهُمْ ثُمَ
نَجَاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، أَوْ يَتَرَدَّدُ عَلَى أَهْلِهِ هُنَاكَ لِزِيَارَتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ. وَلَيْسَ بِخَافٍ
عَلَى أَحَدٍ أُوتِيَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ مَا فِي ذَاكَ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout