وَالْمَقَامُ مَعَهُ إلَّا مِنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهْلَةُ
الْأَعْرَابِ فَلَا يُصْبِرُونَ عَلَى شِدَّةِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ
الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعْك:
" أَقَلْنِي بَيْعَتِي ". هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي. وَهَذَا الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ الْأَظْهَرُ لَيْسَ بِالْأَظْهَرِ،
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ بِلَفْظِ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا.. "
فهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي
أَوَاخِرِ الْكِتَابِ فِي " أَحَادِيثُ الدَّجَّالِ ": أَنَّهُ يَقْصِدُ الْمَدِينَةَ فَتَرْجِفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاَثَ
رَجَفَاتٍ يَخْرُجُ اللَّهُ بِهَا مِنْهَا كُلُّ كَافِرٍ مُنَافِقً. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِزَمَنِ الدَّجَّالِ،
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي أَزْمَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ. كَذَا فِي " شَرْحُ مُسْلِمٍ " لِلنَّوَوِيِّ (٩ / ١٥٤) .
وَأَقُول: بَلْ الأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِزَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ
الْمُتَقَدِّمِ، وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَاَ دَائِمًا لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
مَرِدُوا عَلَى النَّفَاقِ)، وَالْمُنَافِقِ خَبِيثٌ بِلَاَ شَكٍّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ
صِرَاحَةُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ " تَنْفِي " لَيُسَتُ
لِلِاسْتِمْرَارِ، بَلْ لِلتَّكْرَارِ، فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ
وَسَيَقِعُ أَيْضًا مَرَّةً أُخْرَى زَمَنَ الدَّجَّالِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا مَالِ
الْحَافِظِ فِي " الْفَتْحُ " (٤ / ٧٠) وَخَتْمُ كَلَامُهُ بِقَوْلِهِ:
" وَأَمَّا مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَلَا ".
فهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ بَلْ الصَّوَابُ، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout