وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَالطُّرُقِ فِي كُلِّ الْمَصَادِرِ الَّتِي
عَزُونَاهَا إلَيْهَا وَقَعَتْ الْخَصْلَةُ الْأُولَى مِنْ الثَّلَاثِ فِيهِ بِلَفْظِ: " الْكِبَرُ ". إلَّا فِي
رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَحْدَهُ عَنْ سَعِيدٍ، فَهِيَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ " الْكَنْزُ "، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَهَا:
" قَالَ أَحْمَدُ: (الْكِبْرُ) تَصْحِيفٌ، صَحَّفَهُ غَنْدَرُ مُحَمَّدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدِيثٌ سَعِيدٍ: " مِنَ
فَارِقَ الرُّوحِ مِنْهُ الْجَسَدَ.. "، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَنْزُ ". فَأَقُولُ: رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنُ جَعْفَرٍ،
إِنَّمَا هِيَ عَنْ شُعْبَةَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ (٤) عَنْ قَتَادَةَ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَا فِي " التِّرْمِذِيُّ
" (حَدِيثُ سَعِيدٍ) مُحَرَّفًا مِنْ (حَدِيثِ شُعْبَةَ) . وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ هُوَ فِي "
الْمُسْنَدِ " فِي الْمَكَانِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُنَاكَ، وَهُوَ فِيهِ مَقْرُونٌ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ بَهْزٍ عَنْ
شُعْبَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: " قَالَ بَهْز: (وَالْكِبْرُ) ". وَهَذَا الْقَوْلُ إِنَّمَا يَقُولُهُ
الْمُحْدِثُونَ حِينَمَا يَكُونُ هُنَاكَ خِلَافٌ بَيْنَ بَعْضِ الرُّوَاةِ فِي لَفْظِ مَا، وَهَذَا مِنْ دِقَّتِهِمْ فِي
الرِّوَايَةِ جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ
ابْنَ جَعْفَرٍ تَصْحَفُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ فَقَالَ: (الْكِبْرُ) وَإِنَّمَا هُوَ (الْكَنْزُ) مَحْفُوظًا،
فَأَنَا أَتَصَوَّرُ أَنَّ قَوْلَ أَحْمَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: " قَالَ بَهْز: (وَالْكِبْرُ) "، أَتَصَوَّرُ أَنَّ
هَذَا اللَّفْظَ فِيهِ خَطَأً، وَأَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ (وَالْكَنْزَ)، لِأَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ هُوَ الَّذِي قَالَ:
(والْكِبر)، وإِنْ لَمْ نَقَلْ هَذَا تَنَاقُضُ مَا فِي " الْمُسْنَدُ " مَعَ نَقْلِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَحْمَدَ
. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، فَادِّعَاءُ أَنَّ لَفْظَةَ (الْكِبْرِ)
مُحْرِفَةً عَنِ (الْكَنْزِ) مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ يَدْفَعُهَا الطُّرُقُ الْأُخْرَى عَنْ شُعْبَةَ مِنْ جِهَةٍ،
وَمُوَافَقَتِهَا لِلطُّرُقِ الْأُخْرَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهَا كُلُّهَا مُتَّفِقَةً عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ (الْكِبْرِ
)، إِلا إِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهَا جَمِيعُهَا مُحَرَّفَةً! وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدِرَ مِنْ عَاقِلٍ
.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout