" لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ.. ".
وَقُرن أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ، فَقَدَ
رُوِى هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ الْحَدِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ.
قُلْت: فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ تُرَجَّحُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " فِي شَهْرِ رَمَضَانَ " شَاذٌّ لَاَ
يَثْبُتُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَوْهَمَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ فِي " عُمْدَةُ الْأَحْكَامِ " حَيْثُ
أَوْرَدَ الْحَدِيثَ (رقِمَ ١٨٣) بلفظ مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ
الشَّيْخَيْنِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَى الْأَقَلِّ " وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ " كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِهِ،
وَلَمْ أَجِدْ مِنْ نَبَّهَ عَلَى شُذُوذِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، حَتَّى وَلاَ الْحَافِظَ ابْنُ حَجَرٍ، بَلْ إِنَّهُ
ذَكَرُهَا مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
" وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَتِمُّ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ (يَعْنِي عَلَى جَوَازِ إفْطَارِ الْمُسَافِرِ فِي
رَمَضَانَ) وَيَتَوَجَّهُ الرَّدُّ بِهَا عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فِي زَعْمِهِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا لَاَ حُجَّةَ
فِيهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا ".
فأَقُول: إِنَّ الرَّدَّ الْمَذْكُورَ غَيْرَ مُتَّجِهٍ بَعْدَ أَنْ حَقَّقَنَا شُذُوذُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، شَذُوذًا لَا يَدْعُ
مِجَالًا لِلشَّكِّ فِيهِ، وَلَوْ أَنَّ الْحَافِظَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَيَسَّرَ لَهُ تَتْبَعُ طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ
وَأَلْفَاظِهِ لِمَّا قَالَ مَا ذَكَرَ.
وَقَدْ وَهِمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّنْعَانِيِّ فِي " الْعِدَّةُ " وَهُمَا آخَرُ فَقَالَ (٣ / ٣٦٨):
" وهَذا الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ وَفِي الْبُخَارِيِّ نِسْبَةٌ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ ".
والصّواب أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، لَكِنَّهُمَا
أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْهُ.
هَذَا، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ بِالْأَحَادِيثِ الأُخْرَى الَّتِي سُقْنَاهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ
الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي:
" هِيَ رُخْصَةٌ " يَعْنِي الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ " مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ
يَصُومَ، فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout