وَأَنَا حِينَ أَكْتُبَ هَذَا أَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ
أَوْ يَتَأَوَّلُونَهَا تَأْوِيلًا بَاطِلًا كَمَا فَعَلَ السُّيُوطِيُّ - عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ - فِي بَعْضِ
رَسَائِلِهِ، إنَّمَا يُحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ غُلُوهُمْ فِي تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ،
وَحَبّهُمْ إيَّاهُ، فَيُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ أَبَوَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ نَفْسُهُ عَنْهُمَا
، فَكَأَنَّهُمْ أَشْفَقُ عَلَيْهِمَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم!! وَقَدْ لَا يَتَوَرَّعُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَرْكُنَ
فِي ذَلِكَ إلَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ النَّاسِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَا اللَّهُ لَهُ أُمُّهُ، وَفِي رِوَايَةِ: أَبَوَيْهِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ عِنْدَ
أَهْلِ الْعِلْمِ كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْجُورَقَانِيِّ، وَابْنُ عَسَاكِرٍ وَالذَّهَبِيُّ وَالْعَسْقَلَانِيِّ،
وَغَيْرِهِمْ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَرَاجِعٌ لَهُ إنْ شِئْت كِتَابٌ " الْأَبَاطِيلُ وَالْمَنَاكِيرُ "
للجُورقَانِيُّ بِتَعْلِيقِ الدُّكْتُورِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفُرَيوَائِيُّ (١ / ٢٢٢ - ٢٢٩) وقَال ابنُ
الْجُوزِيُّ فِي " الْمَوْضُوعَاتُ " (١ / ٢٨٤): " هَذَا حَدِيثُ مَوْضُوعٌ بِلاَ شَكٍّ، وَاَلَّذِي وَضَعَهُ
قَلِيلُ الْفَهْمِ، عَدِيمُ الْعِلْمِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ لِعِلْمٍ أَنَّ مَنْ مَاتَ كَافِرًا لَا يَنْفَعُهُ أَنْ
يُؤْمِنَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، لَا بَلْ لَوْ آمَنَ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ، وَيَكْفِي فِي رَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْله
تَعَالَى: * (فِيمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) *، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي (الصَّحِيحِ): "
استَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ". وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَوْلُ فِي هَؤُلَاءِ بِعِبَارَةِ
نَاصِعَةٍ وَجِيزَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَمَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى " الْفَوَائِدُ
الْمَجْمُوعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ " لِلْإِمَامِ الشَّوْكَانِيِّ، فَقَالَ (ص ٣٢٢): " كثَيرَا
مَا تَجْمَحُ الْمَحَبَّةُ بِبَعْضِ النَّاسِ، فَيَتَخَطَّى الْحُجَّةُ وَيُحَارِبُهَا، وَمَنْ وَفَّقَ عِلِمَ أَنَّ ذَلِكَ
مَنَافٌ لِلْمَحَبَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ". قُلْت: وَمِمَّنْ جَمَحَتْ بِهِ الْمَحَبَّةُ السُّيُوطِيُّ
عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مَالٌ إلَى تَصْحِيحِ حَدِيثِ الْإِحْيَاءِ الْبَاطِلِ عِنْدَ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ كَمَا
تَقَدَّمَ، وَحَاوِلَ فِي كِتَابِهِ " اللَّآلَىءُ "
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout