ثَالِثًا: جَاءَ الْحَدِيثُ فِي " التَّرْغِيبُ " (٢ / ١٢٩ - الطَّبْعَةُ
الْمَنِيرِيَّةُ) بِرِوَايَةِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ أَيْضًا بِلَفْظِ " عَبَيدًا " بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ
وَقَعَ فِي سَائِرِ النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ، مِنْهَا مَطْبُوعَةٌ مُصْطَفَى عِمَارَةٌ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ خَطَأً قَدِيمَ
لَعْلَهُ مِنْ الْمُؤَلِّفِ نَفْسَهُ، فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي مَخْطُوطَةِ الظَّاهِرِيَّةِ (ق ١٣٩ / ١)، وَنَبْهُ
عَلِيْهِ الْحَافِظُ النَّاجِي، فَقَالَ فِي " الْعِجَالَةُ " (١٣٣ / ٢): " كَذَا وَجَد فِي أَكْثَرِ
نَسَخِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ " عَبْدًا " بِالْإِفْرَادِ ". رَابِعًا: وَقَعَ فِي " التَّرْغِيبُ " أَيْضًا بِلَفْظِ
: " لِيَدْنُو يَتَجَلَّى " بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ: " يَتَجَلَّى ". وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِيمَا سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ
إلَيْهِ مِنْ الطَّبَعَاتِ وَالنَّسَخِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْكِرَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرَقِ
الْحَدِيثِ وَرِوَايَاتِهِ، وَلَا أَدْرِي إذَا مَرَّ عَلَيْهِ النَّاجِي فَلَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، أَوْ أَنَّهَا
لَمْ تَقَعْ فِي نُسْخَتِهِ مَنْ " التَّرْغِيبُ "، غَالِبُ الظَّنِّ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ كِتَابُهُ فِي مُتَنَاوَلٍ يَدَي
الْآنَ، لِتَرْجِيحِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَهَذَا الْخَطَأُ عِنْدِي أَسْوَأُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ
لِمَعْنَى الْحَدِيثَ، لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلدُّنُوِّ بِالتَّجْلِي، وَهَذَا إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَاعِدَةِ الْخَلْفِ
وَعُلَمَاءِ الْكَلَامِ فِي تَأْوِيلِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، خِلَافًا لِطَرِيقَةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَمَا
خَالِفُوهُمْ فِي تَأْوِيلِ أَحَادِيثِ نُزُولِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (١) بِأَنَّ الْمَعْنَى
نُزُولَ رَحْمَتَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ تَفْسِيرِ النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهَا
دُونَ تَأْوِيلٍ أَوْ تَشْبِيهٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: * (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) * (
الشورى: ١١)، فَنَزُولهُ نَزُولُ حَقِيقِيٌّ يَلِيقُ بِجَلَاَلِهِ لَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِينَ،
وَكَذَلِكَ دَنُوهُ عَزَّ وَجَلَّ دُنُوٌّ حَقِيقِيٌّ يَلِيقُ بِعَظْمَتِهِ، وَخَاصٌّ بِعِبَادِهِ الْمُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ بِطَاعَتِهِ
، وَوُقُوفِهِمْ بِعَرَفَةَ تَلْبِيَةٍ لِدَعْوَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي النُّزُولِ وَالدُّنُو
، فَكُنْ عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ
1 (١) وهي أحاديث كثيرة متواترة، خرجت طائفة كبيرة منها في " الإرواء " (٤٤٩) ، وفي " تخريج السنة " لابن أبي عاصم (٤٩٢ - ٥١٣) . اهـ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout