يَوْمَيْنِ مِنْ ذَلِكَ اللِّقَاءَ، فَبَعْدَ
أَنْ انْصَرَفَ النَّاسُ جَمِيعًا مِنْ النُّدْوَةِ الَّتِي كُنْت عُقْدْتُهَا فِي دَارِ أَحَدِهِمْ فِي (جَبَلِ النَّصْرَ)
وَبَقِيَ بَعْضُ الْخَاصَّةِ مِنْ الْإِخْوَانِ، بَدَأَ النَّقَاشِ، فَإِذَا بِهِمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُ كَلَامًا عَجْبًا،
وَتَنَاقَضَا غَرِيبًا، فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ يَشْكُونِي إلَيْهِمْ لِمُقَاطَعَتِي إيَّاهُ، وَأَنَّهُ يَهْشُ إلَيَّ وَيُبَشِّ
، وَيَتَفَاخَرُ فِي الْمَجَالِسِ بِأَنِّي شَيْخُهُ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لِمَا يَجْرِي الْبَحْثُ الْعِلْمِيُّ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ يُصَرِّحُ بِتَضْلِيلِي أَيْضًا وَبِمُقَاطَعَتِي! فَيَقُولُ لَهُ الْإِخْوَانُ: كَيْفَ هَذَا، وَأَنْتَ تَشْكُو
مُقَاطَعَتَهُ إيَّاكَ؟! فَلَا يُجِيبُ عَلَى سُؤَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَخَوِّضُ فِي جَانِبٍ آخَرَ مِنْ الْمَوْضُوعِ.
وَبِاخْتِصَارِ فَقَدِ انْكَشَفَ لِلْحَاضِرِينَ إعْجَابُهُ بِرَأْيِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَتَعَدِّيهِ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ
أَنَّهُ شَيْخُهُ وَجَزَمَهُ بِضَلَالِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانِ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ: رَأْيُك هَذَا هُوَ وَحْيَ
السَّمَاءُ، أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً؟ قَالَ: بَلَى، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ تَجْزَمُ بِضَلَالِ
مُخَالِفِكَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَعَهُ؟ لَمْ يَحِرَّ جَوَابًا، وَإِنَّمَا يَعُودُ لِيُجَادِلَ بِصَوْتِ
مُرْتَفَعٍ، فَإِذَا ذُكِرَ بِذَلِكَ قَالَ: عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ، لَقَدْ قُلْت لَكُمْ: هَذِهِ عَادَتِي! فَلَا
تُّؤَاخُذُونِي! فَطَالَبَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بِالدَّلِيلِ عَلَى الْعِصْمَةِ الَّتِي يَزْعُمُهَا، فَتَلَى آيَةَ
التَّطْهِيرِ: * (إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَذْهَبَ عَنْكُمْ الرَّجْسُ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيرًا) *،
فقِيل له: الإِرَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرْعِيَّةٌ أُمْ كُونِيَّةً، فَأَجَابَ: كَونِيَّةً! فَقِيلَ لَهُ:
هَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ أَوْلَادَ فَاطِمَةَ أَيْضًا مَعْصُومُونَ! قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهَا؟
فَصَاحَ وَفَرٌّ مِنْ الْجَوَابِ. وَوَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِعِصْمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ جَمِيعًا إِلَى يَوْمَ
يَبْعَثُونَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْصِحُ بِذَلِكَ لِقُبْحِهِ. فَقَامَ صَاحِبُ الدَّارِ وَأَتَى بِرِسَالَةٍ لِشَيْخِ
الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَرَأَ مِنْهَا فَصْلًا هَامًا فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِرَادَةِ
الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِرَادَةِ الْكُونِيَّةِ، فَالْأَوْلَى مَحَبَّتُهُ تَعَالَى وَرِضَاهُ لِمَّا أَرَادَهُ مِنْ الْإِيمَانِ
وَالْعَمَلِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout