وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ عَنْهَا. فَثَبَتَ أَنَّ الْحِجَابَ
كَانَ قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ ". ثُمَّ اشْتَدَّتْ الْمُجَادَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَتَّى أَرْسَلَ إلَيَّ أَحَدَ
الْإِخْوَانِ الْغَيُورَيْنِ الْحَرِيصَيْنِ عَلَى وَحْدَةِ الصَّفِّ خِطَابًا يَشْرَحُ لِي الْأَمْرَ، وَيَسْتَعْجِلَنِي
بِالسَّفَرِ إلَيْهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ الْأَمْرَ، وَيَنْفَرِطُ عَقْدُ الْجَمَاعَةِ. فَسَافَرَتْ بِالطَّائِرَةِ -
وَلِأَوَّلِ مَرَّةَ - إلَى حَلَبٍ، وَمَعِي اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَانِ، وَأَتَيْنَا الرَّجُلُ فِي مَنْزِلِهِ،
وَاقْتَرَحَتْ عَلَيْهِمَا أَنْ يَكُونَ الْغِدَاءُ عِنْدَهُ تَأَلُّفًا لَهُ، فَاسْتَحْسَنَا ذَلِكَ. وَبَعْدَ الْغُدَاءِ
بِدَأْنَا بِمُنَاقَشَتِهِ فِيمَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْقَوْلِ، وَاسْتَمَرَّ النَّقَاشُ مَعَهُ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ
الْعِشَاءِ، وَلَكِنْ عَبَثًا، فَقَدْ كَانَ مُسْتَسْلِمًا لِرَأْيِهِ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ الْمُتَعَصِّبَةِ الَّذِينَ
يُدَافِعُونَ عَنْ آرَائِهِمْ دُونَ أَيْ اهْتِمَامٍ لِلْأَدِلَّةِ الْمُخَالَفَةِ لَهُمْ، بَلْ لَقَدْ زَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ
فَصَرَّحَ فِي الْمَجْلِسِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ، إلَّا أَنَّهُ تَنَازِلُ - بَعْدَ جَهْدِ
جَهِيدٍ - عَنْ التَّكْفِيرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَاكْتَفَى بِالتَّصْرِيحِ بِتَضْلِيلِ الْمُخَالِفِ أَيًّا كَانَ!
وَلَمَّا يَئْسُنَا مِنْهُ قُلْنَا لَهُ: إنْ فَرْضَكَ عَلَى غَيْرِك أَنْ يَتَبَنَّى رَأْيُك وَهُوَ غَيْرُ مُقْتَنِعٍ بِهِ،
يُنَافِي أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمِيَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَذَكَرْنَاهُ
بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النَّصَارَى: * (اتَّخِذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) *،
وَلِهَذَا فَحَسَبَكَ أَنْ يَظِلَّ كُلٌّ مِنْكُمَا عِنْدَ رَأْيِهِ، مَا دَامَ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَمْ يَقْنَعْ بِرَأْيِ الْآخَرِ
، وَلَا تُضَلِّلُهُ، كَمَا هُوَ لَا يُضَلِّلُكَ، وَبِذَلِكَ يُمْكِنُك أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي التَّعَاوُنِ مَعَهُ فِيمَا
أَنْتُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ أُصُولِ الدَّعْوَةِ وَفُرُوعِهَا. فَأَصَرَّ عَلَى فَرْضٍ رَأْيِهِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا
تَّعَاوُنَ، عِلْمًا بِأَنَّ هَذَا الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُفْرِضَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ هُوَ أَعْرَفُ مِنْهُ وَأَفْقَهُ بِالدَّعْوَةِ
السَّلَفِيَّةِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ أَكْثَرَ ثِقَافَةٍ عَامَّةً مِنْهُ. وَصَبَّاحُ الْيَوْمِ
التَّالِي بَلَغَنَا إِخْوَانُهُ الْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ بِخُلَاصَةِ الْمُنَاقَشَةِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout