قُلْت: فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَخْلُو مِنْ ضَعْفَ، فَبَعْضُهَا يَشُدُّ بَعْضَا،
فَهِيَ صَالِحَةً لِلِاسْتِشْهَادِ وَيَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ نَزَلَتْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ،
فَأَيْنَ الْغَرَابَةَ؟ ! وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا غَرَابَةُ الْمَعْنَى وَمُبَايَنَةُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِمَا
دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الْآيَاتِ: * (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحٍ فَأَنْزَلْنَا مِنْ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ. وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنَيْنَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ نَحْيِي وَنَمَّيْت وَنَحْنُ
الْوَارِثُونَ. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنْ رَبَّكَ هُوَ
يَحْشِرُهُمْ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيم) * (١) . فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادَ مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ
مُبَايَنَا لِلْعُمُومِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ بِسِبَاقِهَا وَسِيَاقِهَا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعِبْرَةَ
بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْآلُوسِيُّ فِي " رَوحُ الْمَعَانِي " (٤ /
٢٩٠): " وَمَنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأُولَى الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ، أَيْ: عِلِمْنَا مَنْ اتَّصَفَ
بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِي الْوِلَادَةِ وَالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ وَصُفُوفِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ".
وَهُو يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى الْعُمُومِ
الْمَذْكُورِ ثُمَّ قَالَ: " وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُسْتَقْدِّمِينَ فِي الصَّفِّ لِشَأْنِ النِّسَاءِ
، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِيهِ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَمٌّ بِالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ
الْخَلْقِ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْنَا مَا مَضَى مِنْ الْخَلْقِ وَأَحْصَيْنَاهُمْ وَمَا كَانْوَا
يَعْمَلُونَ وَمَنْ هُوَ حَيٌّ مِنْكُمْ، وَمَنْ هُوَ حَادِثٌ بَعْدَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ! وَأَعْمَالُ جَمِيعِكُمْ،
خَيْرَهَا وَشَرِّهَا، وَأَحْصَيْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَحْشِرُهُمْ جَمِيعُهُمْ فَنَجَازِيٌّ كُلًّا بِأَعْمَالِهِ إِنَّ
خِيْرًا فَخَيْرًا، وَإِنْ شَرًّا فَشَرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا وَوَعِيدًا لِلْمُسْتَأْخِرِينَ فِي الصُّفُوفِ
لشَّأْنِ النِّسَاءَ، وَلِكُلِّ مَنْ تَعَدَّى حَدَّ اللَّهِ وَعَمَلَ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ بِهِ، وَوَعَدًا لِمَنْ
تَقَدَّمَ فِي الصُّفُوفِ لِسَبَبِ النِّسَاءِ،
1 (١) الحجر: الآية: ٢٢ - ٢٥. اهـ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout