فَالْعَجْبُ مِنْ الْبَيْهَقِيِّ كَيْفَ تَغَافَلُ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ، فَأَطْلَقَ الْقَوْلُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ
؟ وَنَحْوِهِ قَوْلُ الْمُنْذِرِيِّ فِي " مُخْتَصَرُ أَبِي دَاوُد ". وَأَعْجَبُ مِنْهُ إقْرَارُ الزَّيْلَعِيِّ فِي "
نصِبِّ الرَّايَةُ " (٤ / ١٩٥) إيَّاهما، وَسُكُوتُ ابْنِ التَّرْكُّمَانِيِّ فِي " الْجَوْهَرُ النَّقِيُّ "
عَلى تَغَافُلُ الْبَيْهَقِيُّ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّبِّ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ
يُبَيِّنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَيْدِ عَنْ الصَّوَابِ دِفَاعًا عَنِ الْحَقِّ، لَا تَعَصِبًا لِلْمَذْهَبِ، وَهُوَ
الْمَوْقِفُ الَّذِي وَقَفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ
! فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي " الْفَتْحُ " (٩ / ٥٤٧): " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٌ
... وَحَدِيثُ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ قَوِيًّ، وَهَؤُلاءِ شَامِيُونَ ثِقَاتٍ، وَلَا يَغْتَرُّ بِقَوْلِ
الْخَطَابِيِّ، لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجْهُولُونَ. وَقَوْلُ
الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ.
فَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَسَاهُلٌ لَا يَخْفَى. فَإِنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ الشَّامِيِّينَ قَوِيَّةً عِنْدَ الْبُخَارِيِّ،
وَقَدْ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا ... وَالْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةَ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْحِلِّ تَصْرِيحًا
وَتَلْوِيحًا، نَصًّا وَتَقْرِيرًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا يَحْمَلُ النَّهْيَ فِيهِ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ
عِنْدِ تَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ الضَّبُّ مِمَّا مَسَخً، وَحِينَئِذٍ أَمْرٌ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَلَمْ
يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَنْهُ عَنْهُ، وَحَمَلَ الْإِذْنَ فِيهِ عَلَى ثَانِي الْحَالِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا
نُسْلَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَسْتَقْذِرُهُ فَلَا يَأْكُلُهُ وَلَا يَحَرُمُهُ، وَأَكَلَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَدَلَّ
عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَذَّرُهُ، وَتَحَمَّلُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ
عَلَى مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا ". قُلْت: وَبِالْجُمْلَةِ،
فَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ، وَكَوْنُهُ مُعَارِضًا لِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ضَعْفَهُ، فَهُوَ مِنْ قِسْمِ
الْمَقْبُولِ، فَيَجِبُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي عَرَفْته فِي
كَلَامِ الْحَافِظِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَفِي حَقِّ مَنْ
يَتَقَذِرُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout