مُكَلَّفًا وَلَا أَهْلًا لِكَرَامَةِ
بِوَجْهٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُعَوَّلٍ عَلَيْهَا يَدُلُّ عَلَى حَشْرِ غَيْرِهِمَا مِنْ
الْوُحُوش، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ الْعَدْلِ التَّامِّ. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ أَمِيلٌ وَلَا أَجْزَمُ بِخَطَأَ
الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ لَهُمْ مَا يَصْلُحُ مُسْتَنِدًا فِي الْجُمْلَةِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ".
قلت: كَذا قَال - عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ - وَهُوَ مِنْهُ غَرِيبٌ جِدًّا لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا
نَعْرِفُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ، مِنْ سُلُوكِ الْجَادَّةِ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الْكِتَابِ عَلَى نَهْجِ
السَّلَفِ، دُونَ تَأْوِيلٍ أَوْ تَعْطِيلٍ، فَمَا الَّذِي حَمَلَهُ هُنَا عَلَى أَنْ يُفَسِّرَ الْحَدِيثَ عَلَى خِلَافِ
مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ، وَأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى كِنَايَةٍ عَنْ الْعَدْلِ التَّامِّ، أَلَيْسَ هَذَا تَكْذِيبًا
لِلْحَدِيثِ الْمُصَرَّحِ بِأَنَّهُ يُقَادُ لِلشَّاةِ الْجَمَاءُ مِنْ الشَّاةِ الْقُرْنَاءَ، فَيَقُولُ هُوَ تَبَعًا لِعُلَمَاءِ
الْكَلَامِ: إنَّهُ كِنَايَةٌ! ... أَيْ لَا يُقَادُ لِلشَّاةِ الْجَمَاءَ. وَهَذَا كُلُّهُ يُقَالُ لَوْ وَقَفْنَا
بِالنَّظَرِ عِنْدَ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ، أَمَّا إذَا انْتَقَلْنَا بِهِ إلَى الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى
كَحَدِيثِ التَّرْجَمَةِ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهَا قَاطِعَةٌ فِي أَنَّ الْقِصَاصَ الْمَذْكُورَ هُوَ
حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ كِنَايَةً، وَرَحِمَ اللَّهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ، فَقَدْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ:
" وَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّرْعِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْلٌ وَلَا شَرْعَ وَجَبَ حَمْلُهُ
عَلَى ظَاهِرِهِ ".
قلت: أَشَارَ بِهَذَا إلَى رَدِّ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ وَبِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْكَرَ الْفَلَاسِفَةَ
وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ رُؤْيَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَعَلُوهُ عَلَى عُرْشِهِ وَنُزُولِهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلُّ لَيْلَةٍ وَمَجِيئِهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْقَوْلُ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ
وَالِاقْتِصَاصِ لِبَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، فَلَا جَرْمَ أَنَّ ذَهَبَ إلَيْهِ
الْجُمْهُورَ كَمَا ذَكَرَ الْأَلُوسِيُّ نَفْسَهُ فِي مَكَان آخَرَ مَنْ " تَفْسِيرُهُ " (٩ / ٢٨١)، وبهُ
جَزم الشَّوكَانِيُّ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ " التَّكْوِيرُ " مِنْ تَفْسِيرِهِ " فَتْحُ الْقَدِيرِ "، فَقَالَ (٥ /
٣٧٧):
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout