وَلَقَدْ غُفِلَ عَنْ هَذَا الْأَدَبِ الْكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ، وَغَيْرِ قَلِيلٍ مِنْ الْخَاصَّةِ الَّذِينَ
يُبَرْرُونَ النُّطْقَ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّرْكِيَّاتِ كَمُنَادَاتِهِمْ غَيْرِ اللَّهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَالِاسْتِنْجَادِ
بِالْأَمْوَاتِ مِنْ الصَّالِحِينَ، وَالْحَلِفِ بِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقْسَامُ بِهِمَ
عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَالِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ بَدَلَ
أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ عَوْنًا عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ عَادُوا بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إنَّ نِيَّةَ
أُولَئِكَ الْمُنَادِينَ غَيْرَ اللَّهِ طَيِّبَةً! وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثَ!
فَيَجْهَلُونَ أَوْ يَتَجَاهَلُونَ - إرْضَاءً لِلْعَامَّةِ - أَنَّ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ إنْ وُجِدَتْ عِنْدَ الْمَذْكُورِينَ،
فَهِيَ لَا تَجْعَلُ الْعَمَلُ السَّيِّئَ صَالِحًا، وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ
الصَّالِحَةُ بِالنِّيَّاتِ الْخَالِصَةِ، لَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الْمُخَالَفَةَ لِلشَّرِيعَةِ تَنْقَلِبُ إلَى أَعْمَالِ
صَالِحَةٍ مَشْرُوعَةٍ بِسَبَبِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ بِهَا، ذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ
مُغْرِضٌ! أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ صَلَّى تَجَاهَ الْقَبْرِ لَكَانَ ذَلِكَ مُنْكِرًا مِنْ الْعَمَلِ لِمُخَالَفَتِهِ
لِلْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَقُولُ عَاقِلُ
أَنَّ الَّذِي يَعُودُ إلَى الِاسْتِقْبَالِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهْيِ الشَّرْعِ عَنْهُ أَنَّ نِيَّتَهُ طَيِّبَةً وَعَمَلَهُ
مَشْرُوعٌ؟ كُلًّا ثُمَّ كُلَا، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَغِيثُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْسُونَهُ
تَعَالَى فِي حَالَةٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهَا إلَى عَوْنِهِ وَمَدَدِهِ، لَا يَعْقِلُ أَنْ تَكُونَ
نِيَاتُهُمْ طَيِّبَةً، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ صَالِحًا، وَهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى هَذَا الْمُنْكِرِ وَهُمَ
يَعْلَمُونَ.
أخرجه الطَّيالِسِيُّ فِي " مُسْنَدُهُ " (١٩٨٧): حدثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ، سَمِعْتُ أَنْسًا
يَقُولَ:
" قَالَت أُمْ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اِدْعُ اللَّهُ لَهُ، تَعْنِي أَنْسًا، فَقَالَ ... "
فذكره.
قلت: وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤ /
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout