يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانُ فَقَطْ،
وَمِثْلُهُ فِي الدَّلَالَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ (٩٧): " وَإِنْ كَانَتْ لَاَ
تَّعْلَمِ ".
وَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَمَلَهُ مَعَ سُنَّتِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم،
وَمِنْهُمْ مُحَمَّدٌ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَجَابِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَخْبَأُ لِخَطِيبَتِهِ لِيُرَى
مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، أَفَيَظُنُ بِهِمَا عَاقِلٌ أَنَّهُمَا تَخَبُآ لِلنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ
وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ! وَمِثْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي كَشَفَ عَنْ سَاقِي أُمٍّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ رَضِي
اللّهُ عَنْهُم. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أَحَدُهُمْ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ أَجَازُوا النَّظَرَ
إلَى أَكْثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيمَا أَعْلَمَ، فَلَا أَدْرِي
كَيْفَ اسْتَجَازَ مُخَالَفَتَهُمْ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؟ ! وَعَهْدَى بِأَمْثَالِ الشَّيْخِ أَنْ
يُقِيمُوا الْقِيَامَةَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَلَوْ كَانَتَ
الرِّوَايَةُ عَنْهُ لَا تَثْبُتُ كَمَا فَعَلُوا فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ التَّرَاوِيحِ! وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِ الشَّيْخِ
عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْبَحْثِ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
شِيْءَ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ".! فَنَدْعُو أَنْفُسَنَا وَإِيَّاهُ إِلَى تَحْقِيقِ هَذِهِ الآيَةِ وَرَدَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
إِلَى السَّنَةِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَتَ. وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ.
هَذَا وَمَعَ صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ بِهَا - عَلَى خِلَافِ
السَّابِقِ - فَقَدْ أَعْرَضَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّهُمْ
لا يُسْمَحُونَ لِلْخَاطِبِ بِالنَّظَرِ إِلَى فَتَاتِهِمْ - وَلَوْ فِي حُدُودِ الْقَوْلِ الضَّيِّقِ.
تَوَرُّعًا مِنْهُمْ، زَعَمُوا، وَمِنْ عَجَائِبِ الْوَرَعِ الْبَارِدِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَأْذَنُ لِابْنَتِهِ بِالْخُرُوجِ
إلَى الشَّارِعِ سَافِرَةً بِغَيْرِ حِجَابٍ شَرْعِيٍّ! ثُمَّ يَأْبَى أَنْ يَرَاهَا الْخَاطِبَ فِي دَارِهَا، وَبَيْنَ
أَهْلِهَا بِثِيَابِ الشَّارِعِ!
وَفِي مُقَابِلِ هَؤُلَاءِ بَعْضُ الْآبَاءِ الْمُسْتَهْتَرِينَ الَّذِينَ لَا يُغَارُونَ عَلَى بَنَاتِهِمْ. تَقْلِيدَا
مِنْهُمْ لِأَسْيَادِهِمْ الْأُورَبِيِّينَ، فَيُسْمَحُونَ لِلْمُصَورِ أَنْ يُصُوِّرَهُنَّ وَهُنَّ سَافِرَاتٍ سُفُورًا غَيْرَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout