" وَمِنْهُمْ الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ الْمُتَوَفَّى سَنَةٌ (٦٢
) تَابِعِي عَظِيمٌ مِنْ رِجَالِ الصِّحَاحِ السِّتُّ كَانَ يَأْخُذُ فِي أَسْفَارِهِ لِبِنَةٍ مِنْ تُرْبَةِ الْمَدِينَةِ
الْمُنُورَةِ يَسْجُدُ عَلَيْهَا (!) كَمَا أَخْرَجَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْحَافِظُ إِمَامُ السَّنَةِ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ
أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ " الْمُصَنِّفُ " فِي الْمَجْلِدِ الثَّانِي فِي " باب مَنْ كَانَ يُحْمَلُ فِي
السَّفِينَةِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ بِإِسْنَادَيْنِ أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ إذَا سَافَرَ حَمْلَ مَعَهُ فِي
السَّفِينَةِ لَبِنَةٍ مِنْ تُرْبَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَسْجُدُ عَلَيْهَا ".
قلت: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ عَدِيدٌ مِنَ الْكَذُبَاتِ: الْأُولَى: قَوْلُهُ: " كَانَ يَأْخُذُ فِي أَسْفَارِهِ
" فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ السَّفَرَ بِرًّا وَهُوَ خِلَافُ الْأَثَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ!
الثَّانِيَة: جَزَمَهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُعْطِي أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ
كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
الثَّالِثَةَ: قَوْلُهُ " ... بِإِسْنَادَيْنِ " كَذِبٌ وَإِنَّمَا هُوَ إسْنَادٌ وَاحِدٌ مَدَارُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ
سِيرِينَ، اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " الْمُصَنِّفُ " (٢ / ٤٣ / ٢) مَنْ
طَرِيقُ يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " نَبِئْتُ أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ يُحْمَلُ مَعَهُ لِبِنَةَ
فِي السَّفِينَةِ. يَعْنِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا ". وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ " أَنَّ مَسْرُوقًا كَانَ
إذَا سَافَرَ حَمِلَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِبِنَةٍ يَسْجُدُ عَلَيْهَا ". فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْإِسْنَادَ الْأَوَّلَ مِنْ
طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إسْنَادُ
وَاحِدٌ وَلَكِنْ يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ عَنْهُ: نَبِئْتُ "، فَأَثْبَتَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَخَذَ ذَلِكَ
بِالْوَاسِطَةِ عَنْ مَسْرُوقٍ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ ابْنُ عَوْنٍ وَكَّلَ مِنْهُمَا ثِقَةٌ فِيمَا رَوَى إلَّا أَنْ يَزِيدَ
ابْنَ إبْرَاهِيمَ قَدْ جَاءَ بِزِيَادَةٍ فِي السَّنَدِ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي " الْمُصْطَلِحُ "
لأَنَّ مَنْ حِفْظِ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَالْإِسْنَادُ بِذَلِكَ إلَى مَسْرُوقٍ ضَعِيفٍ لَا
تَّقُومِ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى رَاوٍ لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولً، فَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَى
مَسْرُوقٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَحِمَهُ كَمَا صَنَعَ الشَّيْعِيُّ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout