مُفْرَدًا"؛ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى الشَّارِعِ الْحَكِيمِ، وَلَا يَخْفَى قُبْحَهُ.
وَقَدْ جَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالدَّكَاتِرَةِ وَالطَّلَبَةِ مُنَاقَشَاتٌ عَدِيدَةٌ حَوْلُ هَذَا الْقَوْلِ، فَكُنْتُ أَذْكُرُهُمْ بِالْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ وَبِالْمِثَالِ السَّابِقِ، وَهُوَ صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوْ الْخَمِيسِ إذَا وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، فَيَقُولُونَ يَوْمَ الْعِيدِ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهِ، فَأَبْيَنَ لَهُمْ أَنَّ مَوْقِفَكُمْ هَذَا هُوَ تَجَاوُبُ مِنْكُمْ مَعَ الْقَاعِدَةِ، فَلِمَاذَا لَا تَتَجَاوَبُونَ مَعَهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّاهِي عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ؟! فَلَا يَُحِيرُونَ جَوَابًَا؛ إِلَّا قَلِيلًًا مِنْهُمْ فَقَدْ أَنْصَفُوا جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًَا، وَكُنْتُ أَحْيَانًُا أَطْمَئَنَّهُمْ وَأَبْشِرُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى تَرْكِ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ مَثَلًًا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الزُّهْدِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْإِِيمَانِ وَالتَّجَاوُبِ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
"إنّك لَنْ تَدَعَ شَيْئًًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بِدَلِكِ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ". وَهُوَ مُخْرَجٌ فِي "الضَّعِيفَةِ" بِسَنَدٍ صَحِيحٍ تَحْتَ الْحَدِيثِ (رقم ٥) .
هذا؛ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُنَاقِشِينَ عَارِضٌ حَدِيثَ السَّبْتِ بِحَدِيثِ الْجُمُعَةِ هَذَا، فَتَأَمَّلْتُ فِي ذَلِكَ، فَبَدَا لِي أَنْ لَا تَعَارُضَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُونَ الْخَمِيسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ السَّبْتَ، وَهَذَا فَرْضٌ عَلَيْهِ لِيَنْجُوَ مِنْ إِثْمِ مُخَالَفَتِهِ الْإِِفِرَادَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ السَّبْتِ: "إِلا فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ".
وَلَكِنّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَامَ الْجُمُعَةَ وَهُوَ غَافِلٌ عَنِ النَّهْيِ عَنْ إِفْرَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَامَ الْخَمِيسَ مَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، أَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِالنَّهْيِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَصُومُ مَا لَا يَجِبُ أَوْ يُفْرِضُ عَلَيْهِ، فَلَا يَدْخُلُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ- تَحْتَ الْعُمُومِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ يَعْرِفُ الْجَوَابَ عَمَّا إذَا اتَّفَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ يَوْمٍ فَضِيلٍ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا لَوْ وَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فَرْضًَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا حَدِيثٌ: "كَان - صلى الله عَلَيه وَسَلم - يَكْثُرُ صِيَامُ يَوْمِ السَّبْتِ"، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ قِبْلِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout